وهذا هو الصحيح: أنه يُندب التأسي به؛ لعموم الأدلة الدالة على مشروعية التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا دون تفصيل.
وحكاه ابن قاضي الجبل عن بعض الحنابلة والمالكية، وقطع به الزركشي في تشنيف المسامع: أنه يُندب التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأفعال التي سماها الأصوليون الجبلية.
قال الزركشي في تشنيف المسامع: أما الجبلّي فالندب، يعني فالصحيح فيه الندب؛ لاستحباب التأسي به، يعني: لدلالة النص على مطلق التأسي، ولم يرد التفصيل البتة وإنما هو من صنع الأصوليين.
وقال ابن تيمية في المسودة: ودلالة أفعاله على الاستحباب أصلًا وصفة.
أصلًا يعني: كالنوم، وصفة يعني: فيما يتعلق به ونحوه؛ لأنهم يقولون: الجبلّي هو في أصله لا يشرع التأسي به لأنه مباح، وهو جبلّي منسوب إلى الجبلة وهي الطبيعة.
لكن قد يتعلق به صفة، إذا تعلقت به صفة لا إشكال في أنه يندب التأسي به، يعني كالنوم يكون على طهارة، قالوا: هنا عندنا أصل وصفة.
الأصل هو النوم، والصفة هي الطهارة.
كونه يُتأسى به في الطهارة هذا محل وفاق ولا ينبغي النزاع فيه، لكن هل يتأسى فيه يعني: ينوي أنه ينام كما نام النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤجر على ذلك؟ نقول: نعم، الصواب أنه يتأسى بالفعل أصالة وصفة، وأما حصره في الصفة دون الأصالة فهذا مخالف لعموم النصوص.
وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا يعني: الندب {وَعَزَاهُ لأَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ} .
عزاه يعني: نسبه لأكثر المحدثين أنه يُندب التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأفعال الجبلية.
{وَالثَّانِي: لا يُتَّبَعُ فِيهِ أَصْلًا. فَتَصِيرُ الأَقْوَالُ ثَلاثَةً: مَنْدُوبٌ، وَمُبَاحٌ، وَمُمْتَنِعٌ} .
والأصح أنه مندوب؛ لأن عندنا قاعدة: الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وتروكه الاقتداء والتأسي، لا نخرج عن هذا إلا بدليل وليس عندنا دليل.
إذًا: فعل النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الاقتداء والتأسي دائر بين أمرين: إما إيجاب وإما ندب، وليس عندنا مباح البتة، هذا النوع الثاني من أنواع فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الجبلّي.
النوع الأول: الخصائص، النوع الثاني: الجبلّي.
النوع الثالث قالوا: المحتمل، يعني: شككنا فيه .. يحتمل أنه وقع على جهة الشرع ويحتمل أنه عادة، أو ما وافق الجبلّة.
ولذلك قال هنا: {وَمَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِهِ صلى الله عليه وسلم يَحْتَمِلُ الْجِبِلِّيَّ وَغَيْرَهُ} يعني: التشريع {وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:} (أَوْ يَحْتَمِلُهُ) يعني: يحتمل الجبلّي، ويحتمل التشريع.
(كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) هذه قالوا محتملة للتشريع وغيره.
{وَرُكُوبِهِ فِي الْحَجِّ} الركوب في الحج هذا محتمل؛ لأنَّ فيه تنَقُّل -على التسليم بالقول السابق- فيه تنقل وفيه مسافات وفيه سفر، لكن جلسة الاستراحة أين الاحتمال؟ هي وقعت في ثنايا عبادة، أين الاحتمال؟