{أَوْ تُعْلَمُ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ بِقَرِينَةٍ تُبَيِّنُ} هذه القرينة {صِفَةَ أَحَدِهَا} يعني: الوجوب أو الندب أو المباح، ولذلك قال: {أَحدِهَا أَيْ أَحَدِ الأَحْكَامِ الثَّلاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ} الوجوب أو الندب أو المباح.
طيب! ما هي القرائن التي تدل على أنه واجب؟ ما هي القرائن التي تدل على أنه مندوب؟
{فَمِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ: فِعْلُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لِلصَّلاةِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ مِنْ أَمَارَاتِ الْوُجُوبِ} علامة الوجوب.
وقد ذكر ذلك كذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في البدائع.
قال: {وَلِهَذَا لاَ يُطْلَبَانِ فِي صَلاةِ عِيدٍ وَلاَ كُسُوفٍ، وَلاَ اسْتِسْقَاءٍ. فَيَدُلاَّنِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلاةِ الَّتِي يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ} لأنهما شعارٌ مختص بالفرائض.
إذًا: إذا وُجد الأذان المعلوم هذا والإقامة دل على أن هذه الصلاة واجبة، إذا انتفيا دل على أنها سنة. هكذا قال المصنف.
ومنها أن يكون ممنوعًا منه لو لم يجب كقطع اليد في السرقة، الأصل في التعدي على الآدمي المنع، لا بقطع يده ولا بنزع أظفره إلى آخره، الأصل هو المنع.
إذا جاء الإذن بقطع اليد أو بالختان يدل على أنه واجب؛ لأنه لا يستباح المحرم إلا لواجب، فدل على أنه واجب.
قال: كقطع اليد فالقطع واجب؛ لأن الأصل المنع -التحريم- لا يجوز قطع يد الإنسان إلا إذا سرق، فحينئذٍ نقول الأصل فيه المنع.
{وَالْخِتَانُ فَإِنَّ الْجَرْحَ وَالإِبَانَةَ مَمْنُوعٌ مِنْهُمَا} هذا الأصل فيه، بل يحرم.
{فَجَوَازُهُمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِمَا} .
لأنه لا ينتهك ويستباح المحرم إلا إذا كان واجبًا.
{وَمِنْ قَرَائِنِ الْوُجُوبِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ قَضَاءً لِمَا عُلِمَ وُجُوبُهُ} هذا على قول الفقهاء.
{وَأَمَّا النَّدْبُ: فَكَقَصْدِ الْقُرْبَةِ مُجَرَّدًا عَنْ دَلِيلِ وُجُوبٍ وَقَرِينَةٍ} .
قصد القربة يعني: أن يُفعل الفعل والظاهر منه أنه قصدَ الطاعة والقربة.
قال: {ُجَرَّدًا عَنْ دَلِيلِ وُجُوبٍ وَقَرِينَةٍ} فكل قربة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقترن بها دليل الوجوب فهي مندوبة. هذه قاعدة، وهي حسنة .. لا بأس بها.
كل قول أو فعل تقرب به النبي صلى الله عليه وسلم وظهر فيه قصد القربة فهو مندوب، متى؟ إذا تجرد عن قرينة تدل على الوجوب.
فدل على أنه مندوب؛ لأن الرجحان ثبت بقصد القربة والأصل عدم الوجوب.
قال هنا: {وَأَمَّا الإِبَاحَةُ: فَكَالْفِعْلِ الَّذِي ظَهَرَ بِالْقَرِينَةِ أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُرْبَةُ} .
هذه القرائن هنا تدل على أنه واجب أو مندوب أو مباح.
قال: (أَوْ بِوُقُوعِهِ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ) يعني: تُعْلَمُ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ بِوُقُوعِهِ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنْ الْكُوعِ.
أَوْ تُعْلَمُ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ بِوُقُوعِهِ امْتِثَالًا لِنَصٍّ يَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ مِنْ إيجَابٍ أَوْ نَدْبٍ، فَيَكُونُ هَذَا الْفِعْلُ تَابِعًا لأَصْلِهِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ النَّصِّ مِنْ ذَلِكَ.