كالصلاة بيانًا بعد قوله: أقيموا الصلاة.
{فَكُلُّ فِعْلٍ مِنْ ذَلِكَ عُلِمَتْ صِفَةُ حُكْمِهِ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ} هذا الذي أراده.
إذًا: ما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس واحدًا من الأربعة إن عُلمت صفته (فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ) إن عُلمت صفته من إيجاب أو ندب أو إباحته (فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ) لأن الأصل الاستواء.
ثم بيّن فيما تضمن ذلك كيفية العلم بحكم ذلك الفعل.
(فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ) يعني: بالطرق السابقة.
(فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ) عند أصحابنا، وأكثر العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية؛ لأن الأصل مشاركة أمته له، حتى يدل دليلٌ على غير ذلك.
{لَكِنْ إِنْ أَتَى بِالْفِعْلِ بَيَانًا لِنَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ} فحينئذٍ تعلق به أمران. مر معنا: ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا لواجب أو مندوب فهو واجب عليه، حينئذٍ هذا الفعل الواجب هو وأمته في الحكم سواء من حيث ما يترتب على المحكوم به، وبيانه للمحكوم عليه واجب، فتعلق به حكمان من جهتين.
فمثلًا: السنن التي تكون في الصلاة قولية أو فعلية، نقول: هذه واجبة سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واجبة من حيث ماذا؟ من حيث بيان التشريع؛ لأنه يجب عليه.
وسنة باعتبار أصل الحكم الذي رُتب على هذا الفعل.
فكذلك الواجب يقال: واجب من جهتين: واجبٌ من جهة ما تعلق به الحكم الشرعي، هو وأمته سواء، وواجب من حيث إنه يجب عليه بيان التشريع.
فيكون له حكمان من جهتين.
قال: {لَكِنْ إِنْ أَتَى} يعني: إذا فعله (بَيَانًا لِمُجْمَلٍ) .
{إِنْ أَتَى بِالْفِعْلِ بَيَانًا لِنَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ فَقَدْ أَتَى بِوَاجِبٍ} وكذلك الواجب، لماذا استثناه.
{فَقَدْ أَتَى بِوَاجِبٍ مِنْ جِهَةِ التَّشْرِيعِ، أَيْ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ} .
وهذا هو النوع الرابع الذي ذكره فيما سبق.
فَيَكُونُ لِلْفِعْلِ حينئذٍ جِهَتَانِ:
جِهَةُ وُجُوبٍ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ التَّشْرِيعِ.
وَجِهَةُ نَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الأُمَّةِ وهو والأمة سواء.
إذًا: هذا القسم الأول، وهو ما عدى الأربعة وعُلمت صفته فهو والأمة فيه سواء.
{وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِهِ} ليس من خصائصه {وَلا بِجِبِلِّيٍّ، وَلا مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْجِبِلِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَلا بِبَيَانٍ: هُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَإِلاَّ. أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ صِفَةُ حُكْمِ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم} .
على قاعدتنا السابقة هذا القسم لا وجود له، إذا قلنا الأصل التشريع وهو دائر بين الإيجاب والندب إذًا: كل فعلٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم هو معلوم الصفة، إما بدليل خاص وإما بالدليل العام. هذا سقط من أصله.
إذا قيل بأن الأصل هو التشريع، وبأن الأصل هو التأسي. فحينئذٍ التأسي له درجتان: إما الوجوب وإما الندب.
فما كان مندوبًا إما أن يُعلم بدليل خاص أنه مندوب، وإن لم يرد حينئذٍ رجعنا إلى الأصل.