فهرس الكتاب

الصفحة 676 من 1890

والحاصل أنه إذا فُعِل فِعلٌ بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو في عصره وعلم به، والأصح: وإن لم يعلم به، ولم يُنكر، كان دليلًا على الجواز مطلقًا، وسواء استبشر به مع ذلك أم لا، لكن دلالته على الجواز مع الاستبشار أقوى.

وقوله: {حَتَّى لِغَيْرِ الْفَاعِلِ أَوِ الْقَائِلِ فِي الأَصَحِّ} يعني: خلافًا للباقلاني.

قال: لأن السكوت ليس بخطاب حتى يعم، من أين أخذنا العموم؟ السكوت ليس بخطاب، ومعلوم أن العموم من عوارض الألفاظ، والسكوت هذا ليس بقول، فكيف نأخذ منه صفة العموم؛ لأن العموم من عوارض الألفاظ لا المعاني؟

أجيب بأنه كالخطاب يعني: مثل الخطاب فيعم، فهو في قوة الخطاب فهو لفظ بالقوة.

أجاب الزركشي قال: والصحيح أنه يعم سائر المكلفين؛ لأنه في حكم الخطاب، وخطاب الواحد خطاب للجميع.

تعليل الزركشي أولى من تعليل البناني، خطاب الواحد خطاب للجميع.

(عَالِمًا بِهِ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ) الجواز المراد به هنا .. ، مر معنا الجائز يطلق على الواجب، ويطلق على المأذون به عمومًا، على المباح الخاص وعلى المندوب وعلى الواجب، لكن المراد به هنا الدلالة على الإباحة، أنه يباح.

قال: (وَإِنْ سَبَقَ تَحْرِيمُهُ) أي: تحريم هذا الفعل، فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر نسخًا.

كأنه يقول: ما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم على مرتبتين: إما أن لم يعلم تحريمه يعني: حكمه من الشرع، دل على إباحته وجوازه.

وإن عُلم تحريمه وسكت عن فعله بحضرته أو زمنه عالمًا به أو لا، دل على نسخه، أن ذلك الحكم منسوخ؛ لأن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر دليلًا شرعيًا.

إذًا: رُفع الحكم الشرعي بحكم شرعي.

قال: {وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ أَوْ الْقَوْلُ الْوَاقِعُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ قَدْ سَبَقَ تَحْرِيمُهُ فَسُكُوتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِنْكَارِهِ نَسْخٌ لِذَلِكَ التَّحْرِيمِ السَّابِقِ، لِئَلاَّ يَكُونَ سُكُوتُهُ مُحَرَّمًا، وَلأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ} وهذا لا يجوز في حق النبي صلى الله عليه وسلم.

لإِيهَامِ الْجَوَازِ وَالنَّسْخِ، وَلا سِيَّمَا إنْ اسْتَبْشَرَ بِهِ.

وَلِذَلِكَ احْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقَافَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ رَأَى أَقْدَامَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَابْنِهِ أُسَامَةَ وَهُمَا مُتَدَثِّرَانِ تحت فراش، يعني غطاء فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَسُرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَيَّدَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَسْأَلَةَ بِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ. وَلا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ يعني: كون النبي صلى الله عليه وسلم قادرًا، النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكم ولا يعجز عن إنكار منكر البتة، وإنما قد يقال هذا في شأن العلماء، سكوت العالم إذا فُعل شيء بحضرته لا يدل على جوازه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت