"غيرُ الكافر"دخل فيه المكلَّف وغير المكلَّف، المكلَّف واضح وغير المكلَّف كالصبي. يعني: هل يختص الفعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من الكبار البالغين أو يشمل كذلك الصبيان؟ نقول: يعم؛ لأنه لا يجوز تمكين الصبي من فعل محرم، فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك يعد إقرارًا، حينئذٍ نقول: الحكم عام.
فقوله: (مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) دخل فيه المكلَّف وهو واضح، وكذلك دخل فيه غير المكلَّف، وهو الظاهر؛ لأن الباطل قبيح شرعًا وإن صدر من غير المكلَّف.
ولا يجوز تمكين غير المكلَّف منه وإن لم يأثم به، ولأنه يُوهم من جَهِل حكم ذلك الفعل جوازه.
إذًا: (مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) المفهوم دخل فيه المكلَّف وهو واضح، وكذلك غير المكلَّف.
قال: (مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) فيما يعتقده كذهابه إلى كنيسة ونحوها، فإنه لا أثر له اتفاقًا.
وقيل: لا يدل السكوت على الجواز في حق المنافق.
كذلك بقي قسم ثالث (مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) وهو: من كان مظهرًا للإسلام، فحكمه حكم المسلمين.
إذًا:: (مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) ظاهرًا وباطنًا، وأما الكافر الباطن وهو في الظاهر مسلم، فهذا حكمه حكم المسلمين، يعني: لا يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول قيل بحضرته والقائل منافق؛ لأن المنافقين .. النبي صلى الله عليه وسلم قد لا يعلم بعضهم، فكيف غيره عليه الصلاة والسلام. الذي يوحَى إليه من السماء قد يخفى عليه بعض شأن المنافقين فلا يعلمهم، نحن نعلمهم.
النص دل على التفصيل.
إذًا: نقول هنا بأن المنافق الذي أظهر الإسلام حكمه حكم المسلمين، فلا يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول أو فعل قيل بحضرته.
قال هنا: {وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَالِمًا بِهِ} يعني: ما وقع في زمنه هنا .. القيد ليس لما كان بحضرته؛ لأنه يكون الشرط هنا تحصيل حاصل، وإنما المراد به: ما وقع في زمنه يشترط فيه أن يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر معنا أنه لا يشترط على الصحيح، لحديث جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، فدل على إقرار الباري جل وعلا ولو لم يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
فقوله: (عَالِمًا بِهِ) هذا القيد فيه نظر، والصواب التعميم.
(دَلَّ) هذا السكوت من النبي صلى الله عليه وسلم (عَلَى جَوَازِهِ) يعني: جواز ذلك الفعل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يُقر أحدًا على باطل، وسكوته على الفعل تقرير له.
{حَتَّى لِغَيْرِ الْفَاعِلِ أَوِ الْقَائِلِ فِي الأَصَحِّ} .
يعني: إذا سكت النبي صلى الله عليه وسلم دل على الجواز، جواز ماذا؟
الفعل الذي صدر من الفاعل، أو القول الذي صدر من القائل. نحن أخذنا الحكم على جهة العموم، قلنا: يجوز له ولغيره الفعل والقول، ما الدليل على أنه عام؟
نقول: الدليل على أنه عام حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الواحد حكم للجميع، فما أقره النبي صلى الله عليه وسلم في حق زيد من الناس فغير زيد مثله، وهذه قاعدة عامة: حُكْم النبي صلى الله عليه وسلم في الواحد حُكمه في الجميع.
قال: لأن الأصل استواء المكلفين في الأحكام. وهو كذلك.