نقول: إذا لم يكن ثَم معارض ليبين القرينة الصارفة فلا يفعل المكروه، بل فعله يدل على عدم الكراهة ونستدل به.
إن وُجد المعارض كما نهى عن استقبال القبلة ببول أو غائط، ثم فعل ما يعارضه، دل على حمل اللفظ عن التحريم إلى الكراهة على قول بعض أهل العلم، المراد المثال.
حينئذٍ نقول: فعله لبيان العلة أو القرينة الصارفة للنهي. هذا المراد هنا.
قال: (وَتَشْبِيكُهُ بَعْدَ سَهْوِهِ لاَ يَنْفِيهَا لِأَنَّهُ نَادِرٌ) يعني: كونه فعل التشبيك وهو منهي عنه، مكروهٌ عند أهل العلم {بَعْدَ سَهْوِهِ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ لا يَنْفِيهَا أَيْ: لا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ لأَنَّهُ نَادِرٌ} .
قال البرماوي وغيره: لا يقع المكروه من الأنبياء عليهم السلام؛ لأن التأسيَ بهم مطلوب، فيلزم أن يُتأسى بهم فيه فيكون جائزًا. لكن هذا حيث لا معارض، فلا يقع منهم مكروه البتة.
وأيضًا فإنهم أكمل الخلق ولهم أعلى الدرجات، فلا يلائم أن يقع منهم ما نهى الله عنه ولو نهي تنزيه؛ فإن الشيء الحقير من الكبير عظيم.
{وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ مِنْ التَّثْلِيثِ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ} .
قال ابن الرفعة: الشيء قد يكون مكروهًا ويفعله النبي صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز، هذا إذا وقع معارضٌ ويكون أفضل في حقه، وخلاف الأولى كالمكروه.
إذًا: فعل المكروه حيث لا معارض لا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: فعل المكروه إذا وجد المعارض حينئذٍ نقول: لبيان الجواز. هذه قاعدة واضحة بينة وصحيحة.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَإِذَا سَكَتَ) هذا ما يتعلق بالجزء الأخير وهو الإقرار .. إقرار النبي صلى الله عليه وسلم.
(وَإِذَا سَكَتَ عَنْ إنْكَارِ بِحَضْرَتِهِ أَوْ زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ عَالِمًا بِهِ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ) .
لأنه لا يسكت على باطل للعصمة؛ لأن السكوت على الباطل هذا محرم، لأن إنكار المنكر واجب.
قال: (وَإِذَا سَكَتَ) يعني: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعني: ترك.
{عَنْ إنْكَارِ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، فُعِلَ أَوْ قِيلَ بِحَضْرَتِهِ} في مجلسه عليه الصلاة والسلام، فسكت، يدل على ماذا؟ على جواز هذا الفعل.
ما وجه الاستدلال؟ أنه لو كان محرمًا لأنكره، لمَّا لم يُنقل إلينا إنكاره دل على أنه جائز، سواء استبشر .. ضحك أو تبسم أو لا، فيدل على الجواز مطلقًا. هذا النوع الأول.
(أَوْ زَمَنِهِ) ليس بحضرته، وإنما وقع في عهده عليه الصلاة والسلام.
قال: (مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) لأن ما وقع من كافر كذهاب لكنيسة ونحوها وتعبدات لا يدل على الإقرار، هذا واضح بيّن.
قال: (مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) هذا نفي .. قال: (سَكَتَ عَنْ إنْكَارِ بِحَضْرَتِهِ أَوْ زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) يعني فعل الكافر قد يكون بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ويسكت عنه، فلا يدل على الجواز، أو يفعله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يدل على الجواز.