فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 1890

وكذلك القائل بالإباحة، وهو فيه شيء من الضعف، والقائل بالوقف لاحتماله الجميع ولا صيغة له ولا ترجيح.

إذًا: هذا على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، والصواب فيه الندب.

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلَمْ يَفْعَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَكْرُوهَ لِيُبَيِّنَ بِهِ الْجَوَازَ بَلْ فِعْلُهُ يَنْفِي الْكَرَاهَةَ) .

يعني: ما يقع من النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه محبوب ومرضي إلى الباري جل وعلا، فحينئذٍ الخطاب الذي هو الحكم التكليفي. الخطاب بأمر أو نهي.

أمر إما إيجاب وإما استحباب، فعل النبي صلى الله عليه وسلم محصور في هذين الأمرين، هل يقع منه المحرم؟ الجواب: لا، هل يفعل المكروه؟ الجواب: لا.

نص المصنف على المكروه لأن الوقوع في المحرم هذا مر معنا في العصمة، ولذلك قال: (وَلَمْ يَفْعَلْ) هذه نكرة في سياق النفي.

{وَلَمْ يَفْعَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِعْلَ الْمَكْرُوهَ لِيُبَيِّنَ بِهِ الْجَوَازَ؛ لأَنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ التَّأَسِّي} يعني: لو فعل المكروه لتأسى به من تأسى، فحينئذٍ نحتاج إلى بيان.

(بَلْ فِعْلُهُ يَنْفِي الْكَرَاهَةَ) يعني: نستدل بأن الفعل فعَله النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بمكروه. كل فعل فعَله النبي صلى الله عليه وسلم حيث لا معارض له، حينئذٍ نقول: هذا الفعل يدل على عدم الكراهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفعل المكروه.

ولذلك يقال بأنه لا ينبغي أن يتنزه المرء عن فعلٍ فعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو واجب أو مندوب.

قال هنا: {وَلَمْ يَفْعَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَكْرُوهَ} لم يقع منه فعل للمكروه {لِيُبَيِّنَ بِهِ الْجَوَازَ. بَلْ فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم يَنْفِي الْكَرَاهَةَ} فيستدل بفعله أنه ليس بمكروه.

قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.

وَمُرَادُهُمْ حَيْثُ لاَ مُعَارِضَ يعني: قد يأتي معارض .. نصٌ يدل على التحريم، فيفعل النبي صلى الله عليه وسلم خلافه ليبين بفعله أنه قرينة صارفة النهي عن ظاهره من التحريم إلى الكراهة.

إذًا: فعل النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون لغير معارض فلا يفعل المكروه البتة، ثم إن وُجد معارض بمعنى أنه نص قولي من فِعله أنه حرام، وفَعله النبي صلى الله عليه وسلم، حينئذٍ وُجد المعارض.

فحينئذٍ يوصف بكونه قد فعل ما يكون مكروهًا في حق أمته؛ لبيان القرينة الصارفة من النهي للتحريم إلى الكراهة.

قال هنا: {وَمُرَادُهُمْ حَيْثُ لاَ مُعَارِضَ لَه وَإِلاَّ فَقَدْ يَفْعَلُ غَالِبًا شَيْئًا، ثُمَّ يَفْعَلُ خِلافَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. وَهُوَ كَثِيرٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ، كَقَوْلِهِمْ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مَعَ الْجَنَابَةِ لِنَوْمٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ مُعَاوَدَةِ وَطْءٍ} -بناء على صحة الحديث- {تَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَفَعَلَهُ غَالِبًا لِلْفَضِيلَةِ} .

إذًا: القاعدة هذه صحيحة ولا إشكال فيها، أن يُنظر في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أو يرد السؤال: هل يفعل النبي صلى الله عليه وسلم المكروه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت