المذهب الثاني: وهو الذي حكيناه سابقا، ويحصل التعارض بين الفعلين.
والحق أن يقال: أنه يمكن أن يقع التعارض بين الفعلين، والقاعدة هنا التي لم يجرِ عليها كثير من الأصوليين: أن الفعل دليل شرعي، ومر معنا أن الأصل في الفعل هو التشريع، إلا إذا دل شيءٌ آخر كخصائصه صلى الله عليه وسلم، أو أنه لم يرد به التشريع فهذا أمر آخر، لكن الأصل هو التأسي، وإذا كان كذلك فحينئذٍ يكون دليلًا شرعيًا تثبت به الأحكام.
حينئذٍ إذا وقع بينهما التعارض فإن أمكن الجمع وإلا فالمتأخر، إن عُلم التاريخ فالمتأخر ناسخ، وإذا لم يتعين ذلك فحينئذٍ الوقف.
يعني: يجري بين الفعلين ما يجري بين القولين؛ إذ كل منهما دليل شرعي فيُنظر فيه بحسبه، ويمكن التعارض بينهما.
قال المصنف هنا رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في تعارض أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، تعارض الفعلين، وأما تعارض القولين هذا يأتي في باب التعادل والترجيح.
قال: (لاَ تَعَارُضَ بَيْنَ فِعْلَيْهِ وَلَوْ اخْتَلَفَا أَوْ لَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا، لَكِنْ لاَ يَتَنَاقَضُ حُكْمَاهُمَا وَكَذَا إنْ تَنَاقَضَ) .
يعني: أراد أن يخرج من هذا التفصيل أنه لا يقع التعارض بين الفعلين.
يعني: على ما اختاره كثير من المتأخرين .. أنه لا يتصور في العقل أن يقع تعارض بين فعلي النبي صلى الله عليه وسلم.
(لاَ تَعَارُضَ بَيْنَ فِعْلَيْه) وفي نسخةٍ: في فعليه.
{أَيْ: فِعْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ تَمَاثَلا، كَمَا لَوْ فَعَلَ صَلاةً} في وقتٍ {ثُمَّ فَعَلَهَا مَرَّةً أُخْرَى فِي وَقْتٍ آخَرَ} .
صلاة وصلاة، فعلها مرة في وقت، ثم فعلها مرة أخرى. هل بينهما تعارض؟ الجواب: لا. هذا إذا تماثلا.
{وَكَذَا إذا اخْتَلَفَا وَأَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا} كما لو صام وصلى، جمع بين فعلين: الصوم والصلاة، هنا اختلفا وأمكن الجمع بينهما.
(أَوْ لَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا، لَكِنْ لاَ يَتَنَاقَضُ حُكْمَاهُمَا) فلا تعارض بينهما، لماذا؟
{لإِمْكَانِ الْجَمْعِ. وَحَيْثُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ امْتَنَعَ التَّعَارُضُ} .
واعلم أن هذه الصورة التي يذكرها الأصوليون في مقام التعارض بين القول والفعل، أو بين الفعلين، أكثرها تجويزات عقلية، بمعنى أنه ليس عندهم مثال على ذلك كما سيأتي في التعارض بين القول والفعل، وإنما هو تجويز عقلي. نعم وقع التعارض في بعض الأفعال، وفي بعض الأقوال والأفعال معًا، لكنه قليل جدًا، وأما أكثر التفصيلات التي يذكرها الأصوليون إنما هي من جهة عقلية .. تقسيم عقلي بحت.
ولذلك قل أن تجد مثالًا يذكرونه على كثير من هذه الصور، هنا قال: (أَوْ لَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا) يعني: ثَم فعلٌ فعله النبي صلى الله عليه وسلم وفعل آخر ولم يمكن أن يجتمعا في وقت واحد، لكن ليس بينهما تناقض، وحينئذٍ لا تعارض، لماذا؟ {لإِمْكَانِ الْجَمْعِ} .
لأنه إذا لم يتنافيا حكمًا أمكن جمعهما، إذا لم يتنافيا حكمًا يعني: وجوب الصوم وعدم الوجوب، حينئذٍ يقول: إذا لم يحصل بينهما تناقض أمكن الجمع، وإذا كان كذلك فلا تعارض.