(وَكَذَا إِنْ تَنَاقَضَ) مثل ذا .. ما سبق (إِنْ تَنَاقَضَ) يعني: الحكم (كَصَوْمِ وَقْتٍ وَفِطْرِ مِثْلِهِ) .
{كَصَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ وَفِطْرِه فِي مِثْلِه} لا شك أن الصوم والفطر في وقت معين أنهما نقيضان: الأول الصوم، والثاني عدم الصوم.
إن اجتمعا في وقت واحد كصوم عاشوراء ثم أفطره، حينئذٍ نقول: هنا اجتمع فيه فعلان، متناقضان أو لا؟ متناقضان. قال: {لاَ يَتَعَارَضَانِ} .
لماذا؟ {لإِمْكَانِ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ وَفِي الْوَقْتِ الآخَرِ بِخِلافِهِ} .
فيكون صوم عاشوراء مندوبًا وفطره مباحًا.
إذًا: ما دام أنه يمكن ذلك فلا تناقض، إذًا: على هذا الكلام والتفصيلات السابقة لا يُتصور التعارض بين فعلي النبي صلى الله عليه وسلم.
إذًا: (كَصَوْمِ وَقْتٍ {بِعَيْنِهِ} وَفِطْرٍ مِثْلِهِ) يعني: فطره صلى الله عليه وسلم {فِي} (مِثْلِهِ) {فَإِنَّهُمَا لاَ يَتَعَارَضَانِ أَيْضًا؛ لإِمْكَانِ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ وَفِي الْوَقْتِ الآخَرِ بِخِلافِهِ} انفكت الجهة، من غير أن يكون أحدهما رافعًا أو مبطلًا للحكم الآخر؛ إذ لا عموم للفعل.
(لَكِنْ إِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْأَوَّلِ لَهُ أَوْ لِأُمَّتِهِ فَتَلَبَّسَ بِضِدِّهِ أَوْ أَقَرَّ آكِلًا فِي مِثْلِهِ فَنَسْخٌ) هنا مسألة أخرى، فيما سبق: مجرد الفعل ولم يدل دليل على التكرار -على إعادة الفعل- يعني: صام مرة يوم عاشوراء، ولم يقم دليل على أنه يلزمه كل ما جاء يوم عاشوراء صامه.
الفعل المطلق يُحمل على مرة واحدة، على ما قرره الأصوليون، وإن كان الأصل فيه التشريع والأصل فيه التكرار، فعلى كلامهم أنه إذا لم يدل دليل فالحكم كما سبق.
(لَكِنْ) قال هنا: (إنْ دَلَّ دَلِيلٌ) منفصلٌ عن الفعل.
(عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ {فِعْلِهِ} الْأَوَّلِ لَهُ) {أَيْ: عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ} يعني صام عاشوراء وجاء دليل منفصل أنه يجب عليه أن يفعله كل ما جاء يوم عاشوراء، (لَهُ) هو أو عليه هو عليه الصلاة والسلام. (أَوْ لِأُمَّتِهِ) يعني: دل الدليل على أن أمته يجب عليهم التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت.
(فَتَلَبَّسَ بِضِدِّهِ) وهو الفطر.
(أَوْ أَقَرَّ آكِلًا فِي مِثْلِهِ) -عليه الصلاة والسلام (فَنَسْخٌ) يعتبر نسخًا للحكم السابق. لماذا؟
الفرق بين هذا وما سبق: أن السابق لم يدل دليل على وجوب التكرار، كأنه يقول لك: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم على مرتبتين: يفعله مطلقًا هكذا مجرد، ولم يأت معه قرينة تدل على التكرار، حينئذٍ الحكم كما سبق .. لا تعارض البتة.