لكن لو جاء دليل منفصل دل على وجوب التكرار، فحينئذٍ إذا فعل نقيضه يكون الثاني ناسخًا، لماذا؟ لأنهما تناقضا، أحدهما دل على وجوب التكرار، والثاني دل على أنه رافعٌ للحكم السابق. صام عاشوراء وجاء دليل على تكراره في كل عام، ثم أفطره في العام القابل، نقول: إفطاره يدل على أن الحكم ذاك -الوجوب- منسوخ.
(أَوْ أَقَرَّ آكِلًا) فِي ذلك اليوم، ومر معنا أن إقراره عليه الصلاة والسلام يعتبر حجة.
قال هنا: (لَكِنْ إِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْأَوَّلِ لَهُ) يعني: فِعْلِهِ الأَوَّلِ (لَهُ) أَيْ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
أَوْ دَلَّ دَلِيلٌ لأُمَّتِه عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ هذا تكرار وتأسي.
(فَتَلَبَّسَ بِضِدِّهِ) يعني: فعَل نقيض ذلك الحكم.
{أَيْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْفِطْرُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الصَّوْمِ، دَلَّ أَكْلُهُ عَلَى نَسْخِ دَلِيلِ تَكْرَارِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ} أن التكرار منسوخ.
{لا نَسْخَ حُكْمِ الصَّوْمِ السَّابِقِ} الذي هو مطلق الفعل؛ لأن عندنا فعل وعندنا تكرار الفعل، حينئذٍ النسخ هنا انصب على التكرار لا على أصل الفعل؛ لأن الفعل لا يناقض الفعل .. لا يعارضه.
أصل الفعل لا يناقض أصل الفعل، وإنما صار الثاني إقراره لآكل أو أفطر هو عليه الصلاة والسلام دل على أن ذلك ناسخ لوجوب التكرار لا للفعل أصله، بناء على ما سبق .. أنه لا تعارض بين فعلين.
فنظرٌ إلى أصل الفعل، ونظر آخر إلى وجوب التكرار.
قال هنا: {دَلَّ أَكْلُهُ عَلَى نَسْخِ دَلِيلِ تَكْرَارِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ لا نَسْخِ حُكْمِ الصَّوْمِ السَّابِقِ} إذ فرقٌ بين وجوب التكرار وبين أصل الصوم.
لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ.
وَرَفْعُ حُكْمٍ وُجِدَ مُحَالٌ يعني: ما دام أنه وقع وحصل بالفعل الأول رفعه محال، وبناء كذلك على أنه لا تعارض بين فعلين البتة، وإنما قد يتعارض وصفان للفعلين، أما الفعلان أنفسهما فهذا لا تعارض بينهما البتة.
قال: (أَوْ أَقَرَّ آكِلًا فِي مِثْلِهِ) يعني: {فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ: (فَنَسْخٌ) لِدَلِيلِ تَعْمِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الأُمَّةِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ، أَوْ تَخْصِيصِهِ} .
يعني: لو دل الدليل على وجوب تأسي أمته به عليه الصلاة والسلام في ذلك الصوم، ثم أقر آكلًا، دل على نسخ ذلك في حق أمته.
{أَوْ تَخْصِيصِهِ به} يعني: عليه الصلاة والسلام، أو {يُطْلَقُ النَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ عَلَى الْمَعْنَى، بِمَعْنَى زَوَالِ التَّعَبُّدِ مَجَازًا} .
هذا ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالفعلين، وخلاصته: أنه لا تعارض بين فعلين البتة، والصواب أنه قد يقع التعارض بينهما، فحينئذٍ الجمع إن أمكن، وإلا إن عُلم التاريخ فالثاني ناسخٌ، وإلا فالترجيح، وإلا فالوقف.