فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 1890

يعني: نصنع مع الفعلين كما نصنع مع القولين، ودعوى التفريق عند الأصوليين هذه مجرد دعوى لا دليل عليها، يعني ما يجري بين القولين هذا الكل يحفظه، أنه متى ما أمكن الجمع فهو المعتبر، ثم إن عُلم التاريخ فالثاني ناسخٌ، وإلا فالترجيح يعني: لا بد من دليل منفصل يقدم أحد القولين على الآخر، وإلا فالوقف.

هذه القاعدة ليست خاصة بالقولين، بل هي بين الفعلين وبين الفعل والقول كذلك؛ إذ كل منهما حجة بنفسه، والإشكال عند الأصوليين هو في حكمهم على فعل النبي صلى الله عليه وسلم .. أن الأصل فيه عدم التشريع حتى يدل الدليل على؟؟؟، القاعدة التي مرت معنا: أن الأصل فيه عدم التشريع إلا إذا وقع بيانًا .. إلى آخره، ما مر معنا من التفصيل.

نقول: لا. الصواب أن الأصل في فعل النبي صلى الله عليه وسلم التشريع، فإذا كان كذلك فهو دليل وحجة قائمة بنفسها، فإذا حصل التعارض بين فعلين أو فعل وقول، أو بين قولين ونحو ذلك. فحينئذٍ القاعدة واحدة: أنه متى ما أمكن الجمع فحينئذٍ هو المقدم.

قال هنا: {وَقِيلَ فِي فِعْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} يعني: حكى المذهب الثاني {الْمُخْتَلِفَيْنِ: إنَّهُ إِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ. فَالثَّانِي نَاسِخٌ} ولماذا لا يقال: إنه إن أمكن الجمع فهو المقدم؟

وإن لم يمكن: فإن علم التاريخ فالثاني ناسخٌ.

{وَلا تَعَارُضَ وَإِلاَّ تَعَارَضَا، وَعُدِلَ إلَى الْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ} .

يعني: يجري في الفعلين ما يجري بين القولين، وهذا هو الحق؛ إذ لا فرق بينهما البتة، فقد أطبق أهل العلم على أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وهذه ليست قاعدة خاصة بالقولين وإنما هي عامة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.

التخصيص بكون الدليلين بين قولين هذا تخصيص بغير مخصِّص، ولا دليل عليه البتة، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين لم يكونوا يفرقون بين قوله وفعله صلى الله عليه وسلم، ما كانوا يجزئون ويشرحون النبي صلى الله عليه وسلم: هذا قول وهذا فعلٌ، وهذا يُحتج به وهذا لا يحتج به .. بل سيرتهم واضحة بينة في أن كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم فالأصل فيه التشريع.

ولذلك لما خلع نعله في الصلاة ماذا صنعوا؟ خلعوا نعالهم، وهذا فعلٌ. تأسوا به أو لا؟ تأسوا به، ولما أمرهم بالحلق والتحلل لم يفعلوا. مع أنه قولٌ والقول مقدم على الفعل، حتى رأوا أنه فعل عليه الصلاة والسلام، وما فعل شيئًا في الحج إلا وفعلوا مثله عليه الصلاة والسلام.

دل ذلك على أنه في صور متعددة عن الصحابة أنهم لا يفرقون بين القول والفعل، وما أورده الأصوليون إنما هو أمور عقلية. الفعل يحتمل، الفعل لا عموم له، الدلالة العقلية تدل على كذا .. لكن في بعد عما وقع للصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جمهور الأصوليون المتأخرين أنهم في بعد عن السنة من أصلها .. سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعن أحوال الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت