فحينئذٍ باب الأفعال والتعارض بين الفعل والفعل، والفعل والقول، والقولين. هذا الأصوليين من أبعد الناس عن السنة، انتبه لهذا! ولئلا يغتر بما يسطره الأصوليون، وإلا القاعدة عامة ونستريح من هذه التفصيلات المعقدة. أنه إذا تعارض كذا، هذا خاص، هذا عام .. إلى آخره، وإذا لم يمكن الجمع اختص القول به دون أن يبين، مع أنهم يحكون إجماع أنه لا يثبت التخصيص إلا بدليل واضح بين، لا بد من دليل منفصل.
على كلٍ: القول الثاني الذي ذكره المصنف هو المعوّل، وهو أنه إذا حصل التعارض بين فعلي النبي صلى الله عليه وسلم وقد يقع ذلك، فحينئذٍ القاعدة العامة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، فإن أمكن الجمع فهو المعتمد، وإلا إن عُلم التاريخ ولم يمكن الجمع فالثاني ناسخ، وإلا فالترجيح يعني: بدليل منفصل.
وحينئذٍ إذا لم يتبين للمجتهد نقول: هذا يتوقف فيه وقد يعلمه غيره، أو قد يترجح .. يظهر لغيره دليل يرجح به بين الفعلين.
قال رحمه الله تعالى: قال المجد: صار كثير من العلماء إلى العمل بآخر الفعلين كالقولين، وجعله ناسخًا بما يقتضيه لو انفرد، وجعل الأول منسوخًا به.
قال الجويني: يعني لا يُدعى عدم التعارض مطلقًا، على ما سار عليه المصنف. قال: صار كثير من العلماء إلى العمل بآخر الفعلين كالقولين. بآخر الفعلين يعني: تصور التعارض أو لا؟ تصور التعارض، فعمل بالآخر -آخر الفعلين- لكن نحن نقول: إن أمكن الجمع فلا يُصار إلى الآخر؛ لأن كلًا منهما سنة، وكل منهما دليل يحتج به في نفسه.
وجعله ناسخًا بما يقتضيه لو انفرد، وجعل الأول منسوخًا به.
يعني: قد يقع النسخ بين الفعلين. وهو كذلك، لكن متى؟ عند عدم إمكان الجمع مع العلم بالتاريخ، فالثاني ناسخ للأول.
قال الجويني في حكاية هذا القول: وللشافعي صغو إلى ذلك يعني: ميلٌ إلى ذلك، أنه قد يقع التعارض بين الفعلين ويجعل الثاني ناسخًا، لكن مع العلم بطريقة الشافعي أنه إن عُلم التاريخ ولم يمكن الجمع.
وأنه على هذا متى لم يُعلم التاريخ تعارضا، وعُدل إلى القياس وغيره من الترجيحات. هذا هو الحق الذي ينبغي اعتماده في هذه المسألة.
قال المصنف: {وَحَيْثُ انْتَهَى الْقَوْلُ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ فِعْلاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} .
شرع المصنف فيما إذا تعارض فعله وقوله، انظر تجزئة هنا! فعله وقوله، وأما ما تعارض فيه قولان هذا يأتي في باب الترجيح والتعادل.
قال: {بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَضِي خِلاَفَ مَا يَقْتَضِيهِ الآخَرُ} .
يعني حصل التخالف .. التمانع، فالقول يقتضي خلاف ما يقتضيه الفعل، والفعل يقتضي خلاف ما يقتضيه القول.
هنا حصل التعارض، كل منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر.
قال: {وَتَنْحَصِرُ مَسَائِلُ ذَلِكَ فِي اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مَسْأَلَةً} أكثرها لا أصل لها.
{فِي اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مَسْأَلَةً} هذا حصرٌ عقلي.
{وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لا يَخْلُو إمَّا أَنْ لاَ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْرَارِ وَالتَّأَسِّي} يعني: تكرار الفعل منه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قد يفعل الفعل مرة واحدة، وقد يقترن به ما يدل على أنه يلزمه التكرار.