ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلَا كَافِرٌ) يعني: لا يُعتبر أيضًا في انعقاد الإجماع وفاق مجتهدٍ كافر؛ لأنه قال: (مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) والمراد بها أمة الإجابة، فحينئذٍ يُعتبر قول المسلم، وأما الكافر سواء كان أصليًا أو مرتدًا فلا يُعتبر قوله البتة.
(وَلَا كَافِرٌ) (وَلَا كَافِرٍ) يجوز الوجهان.
ولا يُعتبر أيضًا في انعقاد الإجماع وفاق مجتهد كافر مطلقًا، سواء كان متأولًا وهو المخطئ في الأصول، أو غيره كالمرتد؛ لخروج الكل عن الملة، فلا يتناوله مسمى الأمة المشهود لها بالعصمة.
وهذا مأخوذ من قوله: (مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) اختصاصُ الإجماع بالمسلمين، فلا اعتبار بالكافر فيه؛ لأن أدلة الإجماع لم تتناوله، وإنما تناولت المؤمنين على الخصوص.
ولأنه غير مقبول القول فلا اعتبار به في حجة شرعية.
ولا بقول المبتدع الذي نُكفّره ببدعته؛ لأنه كالسابق .. لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لها بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه، فحينئذٍ الحكم واحد.
وأما الكافر الأصلي والمرتد فلا نزاع بين الأمة أن قولهم لا يُعتبر في الإجماع.
يعني: لا يُعتبر في إجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى مثلًا .. هؤلاء كفار أصليون. وكذلك المرتد لا يُعتبر قولُه باتفاق.
ومحل الخلاف في المبتدع: إذا كفرناه ببدعته، سواء كان متأولًا أو غيره.
وتحرير القول في ذلك: أن المكفَّر بارتكاب بدعة لا يُعتبر وفاقُه عند مكفِّره. يعني: من كفَّر حينئذٍ لا يُعتبر عنده، وإن لم يكفِّره آخرُ اعتبره عنده؛ بناء على أن الفاسق يُقبل قوله في الإجماع، لأنه إذا انتفى التكفير بالبدعة لزم منه التفسيق؛ لأنه لا يخلو عن حالين -مرتكب البدعة-: إما كافر وإما فاسق.
فإذا انتفى التكفير ثبت الثاني وهو التفسيق.
هنا قال: أن المكفَّر بارتكاب بدعة لا يُعتبر وفاقه عند مكفره بارتكابه تلك البدعة، فلا يُعتد بقوله في الإجماع، وأما من لا يُكفِّره فهو عنده من المبتدعة المحكوم بفسقه.
ثم تأتي المسألة الأخرى الآتية وهي: هل الفاسق يُعتبر قولُه أم لا؟
قال الأستاذ أبو منصور: قال أهل السنة: لا يُعتبر في الإجماع وفاق القدرية، والخوارج، والرافضة.
قال: (وَلَا فَاسِقٍ مُطْلَقًا) يعني: لا يُعتبر أيضًا في الإجماع وفاق فاسقٍ، وفاق مجتهدٍ فاسقٍ مطلقًا، يعني: سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد أو الأفعال، يعني: كفَّرناه ببدعة اعتقادية أو بفعلٍ، كأن يكون شاربًا للخمر، هذا تفسيقٌ له، لكنه من جهة الفعل.
فالاعتقاد كالرفض، والاعتزال، ونحوهما: الأشعرية، الماترودية .. كل هذه مفسقة تعتبر إن لم نكفرهم، والأفعال كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك.
وهذا هو الصحيح، اختاره القاضي وابن عقيل والأكثر.
قال أبو بكر الرازي من الحنفية: هذا الصحيح عندنا.
قال ابن برهان: هو قول كافة الفقهاء والمتكلمين؛ وذلك لأنه لا يُقبل قوله ولا يقلَّد في فتوى كالكافر والصبي.
إذًا: هذا مأخوذ من قوله: (مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) فعُلم اختصاصه بالمسلمين، هذه مرحلة. هل كل مسلمٍ عدلٌ؟ لا.
إذًا: مرحلة أخرى نقول: عُلِم كذلك اختصاصه بالعدول؛ بناء على أن الفاسق لا يُعتبر وفاقُه ولا خلافُه في الإجماع.