هذا إن جعلنا العدالة ركنًا في الاجتهاد .. أنه لا يجتهد إلا العدل، وثَم خلافٌ يأتي في محله، إن كان الصواب في الاجتهاد أنه لا يُشترط العدالة، وإنما الفتوى يعني: لا يُستفتى إلا العدل، وأما أن يجتهد هو بنفسه فلا يُعتبر العدالة في ذلك. نقله إمام الحرمين عن معظم الأصوليين، أنه يُشترط العدالة في الاجتهاد.
قال ابن برهان: هو قول كافة الفقهاء والمتكلمين. فإن قلنا ليست بركن لم يختص الإجماع بالعدول؛ لأن المعصية لا تزيل اسم الإيمان.
فمبنى المسألة حينئذٍ باعتبار قول الفاسق: هل العدالة ركنٌ في الاجتهاد أم لا؟
إذًا: (وَلَا فَاسِقٍ مُطْلَقًا) يعني: سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد أو من جهة الأفعال. فحينئذٍ يأتي فيه التفصيل السابق، إن اعتبرنا العدالة ركنًا في الاجتهاد، حينئذٍ هل يُعتبر قوله أم لا؟ قولان.
إن جعلنا العدالة ركنًا في الاجتهاد فلا يُعتبر قوله، وإن لم نجعلها ركنًا في الاجتهاد فقوله معتبر.
وعند أبي الخطاب وأبي إسحاق الشيرازي والغزالي في المنخول يُعتد بقوله -يعني: الفاسق- في الإجماع؛ لأن المعصية في الفعل دون الاعتقاد، وذلك لا يُزيل اسم الإيمان. يعني: ما دام أنه مسلم وما دام أنه مؤمنٌ فالأصل اعتبار قوله.
ولأنه مجتهد من الأمة فتتناوله الأدلة بخلاف الكافر، والصبي قاصر، ولا يلزم من اعتبار قوله في الإجماع اعتبار قوله منفردًا؛ لأن البحث هنا في الاتفاق لا في كونه يُعتبر قوله من حيث كونه منفردًا لو انفرد .. يعني: لو انفرد بقول لا يُعتبر قوله.
ولذلك في باب الفتوى أنه لا يُستفتى إلى العدل، وأما في باب الإجماع قد يقال بأن الفاسق يُعتبر قوله.
واختاره ابن الحاجب والهندي وابن العراقي وغيرهم، قال في التحرير وشرحه: وقيل: إن ذكر مستندًا صالحًا اعتُد بقوله وإلا فلا. يعني: إن بيّن حجته ومستنده قُبل وإلا فلا.
فإذا بيّن مأخذه وكان صالحًا للأخذ به اعتبرناه؛ لأن عنده آلة الاجتهاد، وقد يصيب دون غيره.
قال ابن السمعاني: ولا بأس بهذا القول. وهذا كله في الفاسق بلا تأويل، وأما الفاسق بتأويل فمُعتبر في الإجماع كالعدل.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَلَا يَنْعَقِدُ مَعَ مُخَالَفَةِ وَاحِدٍ) لأنه قيل: (اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي) والاتفاق لا يحصل إلا باثنين فما زاد.
(وَلَا يَنْعَقِدُ مَعَ مُخَالَفَةِ وَاحِدٍ) لأنه قال: (مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) يعني: لا يتخلف واحد البتة.
وحينئذٍ لو اتفق كل العلماء إلا واحد، قال: هذا الواحد يُعتبر مخالفًا وناقضًا للإجماع، خلافًا لمن استثناهم.
(وَلَا يَنْعَقِدُ مَعَ مُخَالَفَةِ وَاحِدٍ) أي: مجتهد واحد، وهذا عُلم من قوله: (اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) أنه لا بد من وفاق الجميع، فلو خالف واحد لم يكن قول غيره إجماعًا، وهذا مذهب الجمهور وهو الصحيح.
قال هنا: مع مخالفة مجتهد واحد يعتد بقوله عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى وأصحابه والأكثر؛ لأنه لا يسمى إجماعًا مع المخالفة، لأن الدليل لم ينهض إلا في كل الأمة لا في بعضها، ولو اتفق الكل إلا واحدًا لم تكن كل الأمة اتفقت على الحكم الشرعي، فتناوُل الأدلة للجميع حقيقة؛ لأن لفظ المؤمن لفظ عام والأمة موضوعة للكل ولا تصدق بدونه.