ولأن من الجائز إصابة الأقل وخطأ الأكثر، كما كشف الوحي عن إصابة عمر رضي الله تعالى عنه في أسرى بدر وهو واحد مقابل جمعٍ، وكما انكشف الحال عن إصابة أبي بكر في أمر الردة. إذًا: هذا يدل على أن الواحد هذا الذي خالف قد يكون معه الحق.
إذًا: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة واحد ممن يُعتد بقوله من المجتهدين.
وقيل: ينعقد الإجماع مع مخالفة واحد لا أكثر؛ لأنه نادر ولا اعتبار به.
وقيل: ينعقد مع مخالفة اثنين. اختاره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، وأبو بكر الرازي الحنفي، وابن حمدان من أصحابنا في المقنع، وبعض المالكية، وإليه ميل أبي محمد الجويني في المحيط.
وقيل: ينعقد مع مخالفة اثنين في غير أصول الدين، أما فيها فلا ينعقد مع مخالفة أحد، وقيل: هو مع المخالفة حجة لا إجماع، واختاره ابن الحاجب وغيره.
كلها أقوال مرجوحة، والصواب: أنه لا يُعتبر الإجماع ولا ينعقد إذا خالف واحد ممن يُعتد بقوله.
قال رحمه الله تعالى: (وَتُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ مَنْ صَارَ أَهْلًا قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَلَوْ تَابِعِيًّا مَعَ الصَّحَابَةِ) .
(وَتُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ) يعني: لا موافقة؛ لأن النظر هنا في المخالفة لا في الموافقة.
(مَنْ صَارَ أَهْلًا) أي مجتهدًا بعد الإجماع.
(قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ) أي: عصر المجمعين.
من نشأ بين المجتهدين قد يصير مجتهدًا قبل انعقاد إجماعهم. وهذا واضح بين.
وقد ينشأ ويصير مجتهدًا بعد انعقاد إجماعهم.
حينئذٍ تأتي المسألة: هل انقراض العصر شرطٌ في انعقاد الإجماع أم لا؟
والصواب: سيأتي أنه ليس بشرط، وإن كان المصنف رجّح أنه شرط؛ بناء على أنه شرطٌ .. يعني انقراض العصر: أن يموت جميع المجمعين، فحينئذٍ إذا ماتوا انعقد الإجماع، وأما قبل ذلك فلا ينعقد حتى يموتوا. ينبني عليه: لو نشأ وتتلمذ وتربى حتى صار مجتهدًا فخالفهم، انعقد الإجماع أو لا؟ لا ينعقد الإجماع.
وهذا الذي عناه هنا (وَتُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ مَنْ صَارَ أَهْلًا) أي: مجتهدًا، بعد الإجماع (قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ) فحينئذٍ يُعتبر ناقضًا أو لا؟ يعتبر ناقضًا للإجماع، هل ينعقد الإجماع دونه؟ الجواب: لا.
فإن وافق انعقد الإجماع، وإن خالف حينئذٍ صار ناقضًا للإجماع؛ لأن الإجماع من شرط انعقاده: انقراض عصره، ولم ينقرضوا، هذا الذي عناه المصنف هنا رحمه الله تعالى.
قال: (وَتُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ مَنْ صَارَ أَهْلًا) أي: مجتهدًا بعد الإجماع (قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ) أي: عصر المجمعين؛ لأن انقراض العصر معتبر لصحة الإجماع، والصواب أنه غير معتبر.
وعليه لو أجمعوا اتفقوا، بمجرد اتفاقهم حصل الإجماع، فإن صار أهلًا بعد ذلك فخالفهم حينئذٍ نقول: الإجماع حجة عليه. بخلاف ما رجحه المصنف هنا فقوله مرجوح؛ لأنه مبني على أصل مرجوح وهو انقراض العصر، والصواب: أنه لا يُشترط انقراض العصر.
قال: لأن انقراض العصر معتبر لصحة الإجماع. والصواب أنه لا يُعتبر؛ لأن الأدلة الدالة على حجية الإجماع لم تُفصِّل وإنما أطلقت، فإذا أطلقت حينئذٍ حُملت على العموم، فاشتراط انقراض العصر هذا تقييد وتخصيص للنص، ونحتاج إلى مخصص ولا مخصص.
قال هنا: وهذا مبني على ذلك.