قال: وجه ذلك: أن الصحابة شاهدوا التنزيل، فهم أعلم بالتأويل، فالتابعون معهم كالعامة مع العلماء، ولذلك قُدّم تفسيرهم وأنكرت عائشة على أبي سلمة لما خالف ابن عباس في عدة المتوفى عنها، وزجرته بقولها: أراك كالفرُّوج يصيح مع الديكة.
ولو كان قوله معتبرًا لما أنكرته، وُرد ذلك بأن كونهم أعلم لا ينفي اعتبار اجتهاد المجتهد، وكونهم معهم كالعامة مع العلماء تهجمٌ ممنوع، والصحبة لا توجب الاختصاص، وإنكار عائشة إما لأنها لم تره مجتهدًا أو لتركه التأدب مع ابن عباس حال المناظرة من رفع صوت ونحوه، وقولها: يصيح يُشعر به. وهذا كذلك لا يُستدل به .. كل ما ذكر لا يُستدل به، وإنما يُستدل بالنصوص العامة المطلقة في إثبات الإجماع، أنه متى ما حصل الاتفاق ثبت الإجماع.
حينئذٍ إن خالف مخالف سواء خالف الصحابة أو خالف غيرهم، حينئذٍ يُعتبر مخالفًا للإجماع، فمتى ما صدق الاتفاق وقع الإجماع، واشتراط انقراض العصر للمجمعين هذا قول لا دليل عليه البتة؛ لأنه تقييد للنص، ومعلوم أن العام يجب إبقاؤه على عمومه ولا يُخص إلا بدليل شرعي، والمطلق يجب إبقاؤه على إطلاقه ولا يُقيد إلا بدليل شرعي.
فمن أين .. مع كون الآيات السابقة، والنصوص الواردة في السنة، وأقوال أهل العلم: أن الإجماع يعتبر حجة .. من أين أن انقراض العصر يعتبر شرطًا في صحة الإجماع، فلا ينعقد إلا إذا انقرض عصر المجمعين؟ هذا قيدٌ زائد على النص، فحينئذٍ لا يُعتبر ولا يُلتفت إليه البتة.
وهذه المسائل وهذه الأقوال كلها مبنية على هذا الفرع.
وكونه لا إجماع للصحابة مع مخالفة مجتهدٍ تابعي كذلك لا إجماع مع مخالفة مجتهد من تابعي التابعين .. يعني: مع التابعي، يعني: الحكم واحد، كما نقول بأن الصحابة لا ينعقد إجماعهم إذا خالف تابعي مجتهد.
كذلك التابعون لو اتفقوا وخالف أتباع التابعين ولو مجتهد واحد لا ينعقد، هذا يلزم منه التسلسل ولا يوجد إجماع البتة.
ولذلك أشير بقوله: (أَوْ تَابِعِهِ مَعَ التَّابِعِينَ) .
(تَابِعِهِ) يعني: تابع التابعي.
(مَعَ التَّابِعِينَ) لأنه إذا لم ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفة مجتهد تابعي فَلأَن لا ينعقد إجماع التابعي مع مخالفة مجتهد من تابعي التابعين من باب أولى وأحرى.
يعني: إذا نقضنا إجماع الصحابة لوجود تابعي مخالف وهو مجتهد فنقض إجماع التابعين من باب أولى وأحرى إذا وُجد من يخالفهم من تابع التابعين.
لكن (لا مُوَافَقَتُهُ) يعني لا يشترط لصحة الإجماع أن من لم يكن أهلًا عند انعقاده موافقته على ما أجمعوا عليه إذا صار أهلًا.
يعني المسألة مفروضة في ماذا؟ إذا اتفق الصحابة ثم نشأ مجتهد، إن سكت فالإجماع كما هو، إن وافق فالإجماع كما هو، لا يُشترط سكوته ولا موافقته، وإنما يشترط المخالفة، المخالفة هي التي تعتبر في الحكم قال: (لاَ مُوَافَقَتُهُ) يعني: لا نشترط في انعقاد الإجماع أن يتكلم بما اتفق عليه المجمعون، وإنما لو سكت فحينئذٍ لا يضر الإجماع، وإنما متى يضر الإجماع؟ إذا تكلم وخالف، أما إذا تكلم ووافق فالإجماعُ على أصله.