فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 1890

يعني: كون التابعين يفتون دون أن يعرفوا المسائل التي أجمع عليها الصحابة أو لا، هذا من أبعد ما يكون، متى يكون صالحًا للإفتاء؟ إذا علم محال الوفاق والخلاف، لا يصح أن يفتي وهو لا يدري ما الذي أجمعوا عليه مما اختلفوا فيه، فكيف يسوَّغ هنا بأن التابعي كان يفتي ولم يبحث هل هذه المسألة أجمع عليها الصحابة أو لا؟ نقول: هذا في غاية البعد، بل هذا سوء ظن بالتابعين الكبار؛ لأنه فيه إقدام على الفتوى دون أن يعرف محل الوفاق من الخلاف، وهذا لا يجوز، كيف حينئذٍ يرجِّح؟ كيف حينئذٍ ينظر في الدليل؟ لا بد أن يعرف محل الوفاق: ما الذي اتفقوا عليه وما الذي خالفوا فيه.

فكونهم لم يسألوا: هل أجمع الصحابة على ذلك أم لا، نقول: هذا في غاية البعد .. هذا التنظير ليس على وجهه.

قال: كانوا يفتون بآرائهم زمن الصحابة من غير نظر أنهم أجمعوا أو لا. وهذا غير مسلّم من المصنف رحمه الله تعالى.

ولو لم يعتبر قولهم في الإجماع معهم لسألوا قبل إقدامهم على الفتوى: هل أجمعوا أم لا؟ والظن أنهم سألوا، فما أجمعوا عليه لم يخالفوا فيه بل وافقوا فيه، وما وقع النزاع بين الصحابة ساغ حينئذٍ النزاع بين التابعين، فحينئذٍ يتخير من أقوال الصحابة، أما أنهم يقدمون على قولٍ ولم يسألوا أن الصحابة أجمعوا عليه أو لا، نقول: هذا في غاية البعد.

لكنهم لم يسألوا -وهذا يحتاج إلى دليل- فدل على اعتبار قولهم معهم مطلقًا.

وسُئل أنس رضي الله عنه عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن فإنه غاب وحضرنا وحفظ ونسينا، فقد سوغوا اجتهادهم ولولا صحته واعتباره لما سوغوه، وإذا اعتُبر قولهم في الاجتهاد فليُعتبر في الإجماع. هذا قياسٌ مع الفارق.

إذ لا يجوز مع تسويغ الاجتهاد ترك الاعتداد بقولهم وفاقًا، وهذا غير مسلَّم؛ لأن ذلك جاز عند اختلاف الصحابة فلا يلزم اعتبار قولهم عند الخلاف اعتباره عند وفاقهم. فرْق بين المسألتين، ثَم اتفاق الصحابة وإذا اتفقوا حينئذٍ لا يجوز للتابعي أن يخالف الصحابة البتة، فإن خالفهم فقد خالف إجماعًا، وإن اختلف الصحابة حينئذٍ جاز للتابعي أن يجتهد وأن ينظر في أقوال الصحابة ويتخير منها ما وافق الدليل، كما هو الشأن في غير التابعي، وأما الأحكام بأنه ما دام أنهم جازوا أن يجتهدوا، حينئذٍ جازوا أن يخالفوا الإجماع. فهذا ليس بجيد.

قال هنا: والأدلة السابقة تتناولهم، واختصاص الصحابة بالأوصاف الشريفة لا يمنع من الاعتداد بذلك.

وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أن اتفاق الصحابة مع مخالفة التابعين يكون إجماعًا. يعني: لا عبرة بمخالفة التابعين.

واختاره الخلال الحلواني والقاضي أيضًا في بعض كتبه، فيكون له اختياران. وهذا هو الصحيح: أن الصحابة إذا أجمعوا حينئذٍ ولو خالف التابعي فلا يلتفت إليه البتة، بل الإجماع حينئذٍ يكون حجة عليه.

ثم أعطونا مثال واحد؟! الصحابة اتفقوا وخالف التابعي، هذا لا وجود له البتة, وإنما هو تنظير عقلي فحسب، أن يُجمع الصحابة على قول ثم يأتي إمام من أئمة التابعين ويخالف الصحابة. هذا لا وجود له، ومن عنده مثال فليأت به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت