إذًا: (وَلَا أَهْلِ الْبَيْتِ بِإِجْمَاعٍ) يعني: لا يُعتبر إجماعًا.
(وَلَا حُجَّةَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ) فإن خالف المجتهد حينئذٍ لا حجة في الإجماع.
قال رحمه الله تعالى: (وَمَا عَقَدَهُ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ) يعني: الخلفاء الأربعة.
(مِنْ صُلْحٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ) لا يجوز نقضه، فما عقده أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي من صلحٍ كصلح بني تغلب، ومن خراجٍ كعقد خراج السواد، ومن جزية وما جرى مجرى ذلك لا يجوز نقضه عند الأكثر.
ونقله ابن عقيل عن الأصحاب، وقال أيضًا: يجوز نقضه إذا رأى ذلك الإمام. وهو كذلك.
أن المسألة هذه مسألة اجتهادية ومردها إلى الإمام، وهي تختلف باختلاف الأزمان والأشخاص، فإذا كان كذلك فحينئذٍ مرده إلى الإمام، وأما القول بأنه لا يجوز نقضه لأن أبا بكر فعله .. وغير ذلك، فنقول: هذا يحتاج إلى نص، وإنما هذه تناط بالإمام، فما رآه مصلحة نقضه ولا إشكال في ذلك.
قال: يجوز نقضه إذا رأى ذلك الإمام، فيكون حكمه حكم رأيه في جميع المسائل؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأزمنة. وهو كذلك.
قلت: وهذا الصحيح عند أصحابنا المتأخرين.
قال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ) يعني: هذه المسألة أرادها المصنف رحمه الله تعالى لأهميتها؛ لأنه ينبني عليه انعقاد الإجماع وعدمه، إذا قيل: يُعتبر انقراض العصر. معناه أنه لم ينعقد الإجماع، وإذا قيل: لا يُعتبر. معناه انعقد الإجماع، فهي مسألة مهمة تحتاج إلى تحرير.
والتحرير ما مضى، لا يحتاج إلى كثرة كلام فيها، نقول: الأدلة الدالة على إثبات الإجماع عامة، تحتاج إلى مخصِّص ولا مخصص، وإن قلنا مطلقة كذلك يبقى المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بنص.
قال: (فَصْلٌ: يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ) يعني: عصر المجمعين، يُعتبر في انعقاد الإجماع، فهو شرطٌ لصحة انعقاد الإجماع.
(وَهُوَ) أي: انقراض العصرِ.
(مَوْتُ مَنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ) يعني: {مِنْ غَيْرِ رُجُوعِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ} .
يعني: أن يقولوا القول ويتفقوا عليه ثم لا ينعقد الإجماع، بمجرد الاتفاق لا ينعقد، حتى يموتوا كلهم عن بكرة أبيهم، فإذا لم يموتوا أو ماتوا كلهم إلا واحدًا ثم رَجع لم ينعقد الإجماع.
ولذلك قال هنا: {عِنْدَ الإمام أَحْمَدَ رحمه الله وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ فُورَكٍ, وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ} .
إذًا: على كلام المصنف (يُعْتَبَرُ) بمعنى: يشترط (انْقِرَاضُ الْعَصْرِ، وَهُوَ مَوْتُ مَنِ اعْتُبِرَ فِيهِ) وهو المجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الشروط السابقة، الذي ينبني ويتفرع عليه.
قال: (فَيَسُوغُ لَهُمْ) يعني: يجوز {لِجَمِيعِ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ} .
(وَلِبَعْضِهِمْ الرُّجُوعَ) هذا ينبني عليه، لو قلنا لا يُشترط حينئذٍ لا يجوز لهم أن يرجعوا، ولا يجوز لبعضهم أن يرجعوا، فلو رجعوا حينئذٍ صار الإجماع حجة عليهم، فيكونوا خارقين للإجماع.
أو رجع بعضهم كذلك نقول: الإجماع صار حجة عليه فهو خارق للإجماع. فلا يجوز لهم أن يرجعوا على الصحيح، وعلى كلام المصنف: فَيَسُوغُ لَهُمْ الرجوع كلهم، أو لِبَعْضِهِمْ؟