قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: لَوْ قَلَّ عَدَدُ الاِجْتِهَادِ فَلَمْ يَبْقَ إلاَ الْوَاحِدُ وَالاِثْنَانِ الاثنان لا إشكال فيه {لِفِتْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا اسْتَوْعَبَتْهُمْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى, كَمَا قَلَّ الْقُرَّاءُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُسْتَقِلًا بِالإجْمَاعِ وَلَمْ يَنْخَرِمْ لِعَدَمِ الْكَثْرَةِ, وَإِذَا كَانَ هَذَا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ يَصْلُحُ لإِثْبَاتِ أَصْلِ الإجْمَاعِ الْمَقْطُوعِ بِهِ. فَأَوْلَى أَنْ يَصْلُحَ لِفَكِّ الإجْمَاعِ وَاخْتِلاَلِهِ بِمُخَالَفَتِهِ} .
يعني: إذا بقي اثنان نقول: حصل الاتفاق ولا إشكال فيه، وإنما يبقى الإشكال فيما لو بقي واحدٌ فقط، أين الاتفاق؟ انتفى أصل الإجماع. الجنس الذي أُخذ في حد الإجماع.
حينئذٍ قد يقال: بأنه صار حجة على غيرهم؛ لأن الله تعالى قال: (( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [النحل:43] فجعلهم حجة على من لم يعلم، لكن تسميته إجماعًا فيه شيءٌ من النظر.
قال رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُ مُجْتَهِدٍ) هذا الإجماع السكوتي، شرع المصنف في بيان ما يتعلق بالإجماع السكوتي.
سبق فيه تعريف الإجماع أنه قال: (اتِّفَاقُ) وقلنا الاتفاق المراد به: اتحاد المعتقد، ليعم القولي والسكوتي وما حصل بالتقرير. فدخل فيه القولي والسكوتي. والإجماع السكوتي عرّفه المصنف هنا رحمه الله تعالى وجملته: أن يفتي واحد ويسكت الباقون .. يتكلم واحد بالحق بالمسألة الاجتهادية. وقال: (تَكْلِيفِيَّةٍ) هنا، فحينئذٍ يسكت الباقون.
هذا يسمى سكوتيًا، ويشترط في ذلك أن يكونوا عالمين بهذا القول.
وفيه مذاهب، اختار المصنف أنه إجماع ظنيٌ.
إجماع؛ لحصول الاتفاق.
ظنيٌ يعني: لا قطعي؛ لوجود الخلاف، ومر معنا أنه إذا اختلف الأصوليون في كونه إجماعًا أو لا، صار ظنيًا لا قطعيًا.
قال المصنف: (وَقَوْلُ مُجْتَهِدٍ) يعني: واحد.
(فِي اجْتِهَادِيَّةٍ) يعني: في مسألة اجتهادية مبناها على الاجتهاد؛ نسبة إلى الاجتهاد، بأن يكون في محل الاجتهاد، فخرج ما إذا كان القائل مخالفًا للثابت القطعي.
يعني: لا يُعتبر قول المخالف في القطعيات، وإنما يُعتبر في مسائل الاجتهاد .. التي يكون مبناها على النظر.
إذًا المسائل على نوعين: قطعيات ولا يجوز فيها الخلاف. كأصول المعتقد وما اتفق عليه الأئمة من المحرمات والواجبات، وما عداه فهو مما يجوز فيه الخلاف.
قال: (اجْتِهَادِيَّةٍ) يعني: في مسألة اجتهادية، بأن يكون في محل الاجتهاد. فخرج ما إذا كان القائل مخالفًا للثابت القطعي، فالسكوت عنه ليس دليلًا على موافقته.
قال: {مَسأَلةٍ} (اجْتِهَادِيَّةٍ) (تَكْلِيفِيَّةٍ) يعني: مما يُكلف العباد بالعمل، فخرج ما ليس من مسائل التكليف {كَقَوْلِ الْقَائِلِ مَثَلًا: عَمَّارٌ أَفْضَلُ مِنْ حُذَيْفَةَ} . هذه لو حصل لا يكون إجماعًا سكوتيًا، فلا يدل السكوت فيه على شيء؛ إذ لا تكليف على الناس فيه، ولأنه لا حاجة إلى إنكاره أو تصويبه، ولم يفرِّق كثيرٌ من أصحابنا وغيرهم بل أطلقوا.