قال الموفق والطوفي: إن لم يكن القول في تكليفٍ فلا إجماع.
إذًا: الإجماع السكوتي لا بد أن يكون في أمرين. طبعًا هو مجتهد واحد هذا مفروغ منه، بقي في مسألة (اجْتِهَادِيَّةٍ) يعني: لا قطعية.
ثانيًا: (تَكْلِيفِيَّةٍ) بمعنى أنه يحصل بموجبها عمل، تكليف: أمرٌ أو نهي، وما عداه فلا؛ لأنه قد يقول قائل: عمارٌ أفضل من حذيفة فيسكت أهل العلم؛ بناء على أنه لا ينبني عليها شيء، قد يكون منكرًا لكنه لا يتكلم، لا يحتاج لهذه المسألة أن يدخل فيها.
فحينئذٍ يقول: لما لم تكن المسألة تكليفية حينئذٍ صار الاحتمال بأن يكون الساكت مخالفًا أعظم من أن يكون ساكتًا والمسألة متعلقة بالتكليف. ولذلك خصه بالتكليف.
قال في شرح التحرير: كون ذلك في المسائل التكليفية، ثم قال: وكلام البرماوي وغيره يقتضي أنه محل وفاق. يعني: الإجماع السكوتي يكون في المسائل الاجتهادية التكليفية.
وأما المسائل الفرعية التي لا يتعلق بها تكليف، فلو حصل القول من بعض وسكت الآخرون لا يعد إجماعًا.
قال: (إِنْ انْتَشَرَ) هذا قيد. مسألة اجتهادية .. (قَوْلُ مُجْتَهِدٍ) (فِي) {مَسأَلةٍ} (اجْتِهَادِيَّةٍ إِنْ انْتَشَرَ) .
مفهومه: إن لم ينتشر فلا إجماع.
(إِنْ انْتَشَرَ) يعني: قَوْلُهُ، بأن يطّلعوا عليه، فخرج ما لم يطلع عليه الساكتون، فإنه لا يكون حجة قطعًا.
وهل المراد القطع باطلاعهم أو غلبة الظن بذلك؟
يعني: الانتشار، حتى يكون العلماء الآخرون اطلعوا على هذا القول، هل يكفي الظن؟ نقول: نعم يكفي الظن؛ لأننا متعبدون بالظن في سائر الأحكام الشرعية، متعبدون في إتمام الصلاة بالظن، في إتمام الحج بالظن، في الوضوء بالظن، في الطهارة الكبرى بالظن .. حينئذٍ نقول: الظن معتبر، وإذا كان كذلك فحينئذٍ متى ما حصل الظن باطلاع العلماء نقول: حصل الإجماع.
قال هنا: لانتشاره وشهرته كما صرح به الأستاذ نقلًا عن المذهب الشافعي وهو اختيارًا له، وأما إن احتمل واحتمل فلا، كما نقله ابن الحاجب عن الأكثر.
ومفهوم قوله: (إِنْ انْتَشَرَ) أنه إن لم ينتشر لا يكون إجماعًا ولا حجة، وقيل: إذا أفتى مجتهدٌ واحدٌ ولم ينتشر بين أهل عصره، ولم يُعرف له مخالفٌ إجماعٌ أو حجة على خلاف.
يعني: قيل بالقول المقابل، والصواب أنه يُشترط فيه الانتشار.
(وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُنْظَرُ فِيهَا) لأنه إن انتشرَ فحينئذٍ المسائل الاجتهادية التكليفية تحتاج إلى بحث ونظر، فيُشترط حينئذٍ بين الانتشار وبين المخالفة من الآخرين أن يكون ثَم مدة يمكن للناظر فيه أن ينظر فيخالف، وأما بمجرد الانتشار فحينئذٍ لا يُعتبر السكوت إجماعًا؛ لأنه يحتمل أنه يبحث، ويحتمل أنه ينظر وأنه يتدارس الأمر. وهذا يمكن في زماننا هذا إن كان فيه إجماع أنه ينتشر مرة واحدة في وسائل الإعلام، لكن ينبغي أن يتريث؛ لأن هذه المسألة انتشرت اليوم، إذًا: تحتاج إلى بحث وتأمل.
(وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُنْظَرُ فِيهَا) يعني: {ذَلِكَ الْقَوْلُ} عادة.
فخرج ما إذا لم تمض مدة للنظر، الاحتمال أن يكون الساكت في مهلة للنظر.
قال في شرح التحرير: ومِن شرط محل الخلاف: ألا يطول الزمان مع تكرر الواقعة، فإذا كان كذلك فهو محل الخلاف.