فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 1890

(تُطْلَقُ) الْمَعْرِفَةُ (عَلَى مُجَرَّدِ التَّصَوُّرِ فَتُقَابِلُهُ) يعني: تُقَابِلُ الْعِلْمَ؛ لأن العلم نوعان في الأصل: تصور وتصديق، وعرفنا أن المراد هنا العلم الحقيقي يعني: في إطلاقه الحقيقي، الذي هو التصديق الجازم، فإذا أطلقت المعرفة على التصور قابلت العلم، وجه التقابل هنا كما قال في التحبير: يقال: إما معرفة أو علم .. يتقابلان، يعني: في الذكر، تقول: زيد وعمرو، فوق وتحت يتقابلان، تقول: علم ومعرفة، والعلم هو التصديق الجازم، والمعرفة هو التصور.

(وَتُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصَوُّرِ) أي: التصور المجرد، النظري والضروري الذي لا حكم معه، (فَتُقَابِلُهُ) أي: تقابل العلم، المرد بالعلم هنا: التصديق الجازم.

{وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ الشَّامِلِ لِلْيَقِينِيِّ وَالظَّنِّيِّ. وَإِذَا أُطْلِقَتْ الْمَعْرِفَةُ عَلَى التَّصَوُّرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ التَّصْدِيقِ: كَانَتْ قَسِيمًا لِلْعِلْمِ, أَيْ مُقَابِلَةً لَهُ} .

ومعنى مقابلته له أنك تقول: إما معرفة وإما علم، هكذا التقابل يعني: في الذكر، كما تقول: إما تصور وإما تصديق، وهذا الأصل في العلم.

ومن أجل ذلك كان (عرف) وما في معناه من مادته متعديًا إلى مفعول واحد: عرفتُ زيدًا تعدى إلى مفعول واحد.

تقول: عرفت زيدًا أي: تصورته بلا زيادة على ذلك، يعني: ليس مفعولًا آخر، بخلاف العلم وما تصرف منه فإنه متعد إلى مفعولين، نقول: هذا استعمال لغوي من حيث الحكم والإعراب، تقول: علمت زيدًا صائمًا؛ إذ المقصود نسبة الصيام إلى زيد، فيتوقف على مسند ومسند إليه.

ثم قال: (وَعِلْمُ اللَّهِ قَدِيمٌ) علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قديم؛ لأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ, وَصِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ، والتعبير بالقديم فيه نظر وإنما يقال: أزليٌّ، وهو الذي لم يسبق بعدم.

(وَعِلْمُ اللَّهِ قَدِيمٌ لَيْسَ ضَرُورِيًّا وَلَاَ نَظَرِيًّا) قديم هذا لا إشكال فيه، يعني: أراد به التوطئة، إذا فُسِّر وقُسِّم علم المخلوق إلى نظري وضروري، حينئذٍ قد ينصرف الذهن إلى أن كل علم ولو كان علم الخالق -جل وعلا- ينقسم إلى هذين النوعين، أراد أن يبين أنه لا نزاع بين أهل العلم لا أهل السنة ولا غيرهم في كون علم الله عز وجل لا يوصف بكونه ضروريًا ولا نظريًا، أما ضروريًا فلعدم النص، وأما نظريًا لأن النظري مسبوق بجهل، فهو ممتنع.

ثم عدم ورود ذلك في الكتاب والسنة يكفي دليلًا .. أننا ننفي لعدم ورود ذلك في النص، ولذلك القاعدة في باب الأسماء والصفات: أن نثبت ما أثبته الكتاب والسنة، وأن ننفي ما نفاه الكتاب والسنة، وما لم يرد نتوقف فيه، وأما المعنى فيُنظر فيه بحسبه.

(وَعِلْمُ اللَّهِ قَدِيمٌ لَيْسَ ضَرُورِيًّا) يعني: لا يوصف بكونه ضروريًا (وَلَاَ نَظَرِيًّا) يعني: ولا يوصف بكونه نظريًا، لماذا؟ لأن الصفات توقيفية، ولم يرد نص بذلك، ثم ننظر في النظري؛ لأنه استلزم معنًى، وهذا المعنى وصف يقتضي النقص وهو كونه مسبوقًا بجهل فيُمنع من جهة إطلاقه على الباري جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت