وقد قيل: المعرفة علم الشيء من حيث تفصيله يعني: يتعلق بالجزئيات، والعلم متعلق بالشيء مجملًا ومفصلًا، مجملًا يعني: كليًا، ومفصلًا وهو الجزئي فهو أعم، وأيضًا المعرفة قيل: إنها لا تكون إلا بعد جهل يعني: مسبوقة بجهل، وهذا يحتاج إلى تخصيص بخلاف العلم، فقد يكون بعد جهل وقد يكون عن غير جهل، قد يكون بعد جهل كقوله تعالى: (( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) ) [النحل:78] جهل ثم علم، وأما عن غير جهلٍ كالعلم الأزلي لله عز وجل فإنه قديم، فهو أعم من هذه الحيثية .. العلم أعم.
وقوله: (إِنَّهَا عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ) هذا أصل وضعها في الغالب.
وقوله: (انْكِشَافٌ بَعْدَ لَبْسٍ) قريب من الذي قبله إلا أن الأول لم يكن حصل فيه لبس بل استُحدث من غير لبس. على كلٍّ هذا مجرد اصطلاح وتفريق لا يدل عليه استعمال أهل اللغة البتة.
(وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا يَقِينٌ وَظَنٌّ أَعَمُّ) إذًا: العلم والمعرفة قد يجتمعان وقد يفترقان، الظن يسمى معرفة حقيقة ولا يسمى علمًا، ولذلك قال: (وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا) أي: المعرفة (يَقِينٌ وَظَنٌّ أَعَمُّ) فكل علم معرفة ولا عكس؛ لأن المعرفة تُستعمل في اليقين وفي الظن، بخلاف العلم فإطلاقه حقيقة إنما يكون في التصديق الجازم الذي هو اليقيني، واستعماله في الظن هذا مجازٌ وليس بحقيقة.
إذًا: العلم والمعرفة بينهما عموم وخصوص على ما ذكره المصنف.
(وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا يَقِينٌ وَظَنٌّ أَعَمُّ) {مِنْ الْعِلْمِ لاِخْتِصَاصِهِ حَقِيقَةً بِالْيَقِينِيِّ} وهو التصديق الجازم، وهو الذي قدم تعريفه في الفصل.
وَقَالَ القاضي أبو يعلى من أصحابنا والطوفي وجَمعٌ كثير من أهل اللغة: إنَّ الْمَعْرِفَةَ مُرَادِفَةٌ لِلْعِلْمِ، وهذا هو الصحيح.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ} أراد أن يؤول كلامهم، كيف يقولون بالاتحاد والترادف مع أن أكثر أهل العلم على التفرقة؟ {فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ غَيْرَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى} يعني: لئلا يقال بأنه لزم منه إطلاق المعرفة على الله تعالى لكونه يوصف بالعلم، نقول: ليس بلازم؛ لأن الأول .. العلم ورد في الكتاب والسنة، والمعرفة لم ترد في الكتاب والسنة، حينئذٍ نتوقف فيما لم يرد.
{وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِالْمَعْرِفَةِ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْقَدِيمِ, وَلاَ تُطْلَقُ عَلَى الْمُسْتَحْدَثِ. وَالأَوَّلُ أَوْلَى} .
يعني: تطلق المعرفة ويراد بها العلم الأزلي، وهذا كما ذكرنا يحتاج إلى نص، على كلٍّ: الصحيح: أن المعرفة والعلم بمعنى واحد، وكل ما ذكره المصنف وغير مما تذكر في هذه المواضع، إنما هو مجرد اصطلاح وليس عليه دليل واضح بين.
قال في المصباح المنير: علِمتُه أعلَمُه وعرفتُهُ، هكذا يفسِّرون العلم بالمعرفة وبالعكس، -هذا من كلامه- لتقارب المعنيين لاشتراكهما في كون كل واحد منهما مسبوقًا بجهل.
قال في القاموس: عرفه يعرفه معرفة: علمه فهو عارف، فهو عالم، ولا إشكال في ذلك.
قال رحمه الله تعالى: (وَتُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصَوُّرِ فَتُقَابِلُهُ) ما الذي يطلق هنا؟