(وَيُرَادُ بِهَا) يعني: المعرفة: العلم، يعني: تطلق المعرفة وتفسر بالعلم، ومنه قوله تعالى: (( مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ) ) [المائدة:83] يعني: عَلِمُوا.
انظر هنا جاء التفسير بالمعنيين، فيما سبق قال: (( لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) )فسّروه بماذا؟ فسروا العلم بالمعرفة، وهنا جاء: (( مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ) )أي: مما علموا، وهذا هو المعنى اللغوي في الصحيح أن يفسّر العلم بالمعرفة وتفسر المعرفة بالعلم، هنا قال: (وَيُرَادُ بِهَا) أي: بالمعرفة: العلم، (وَبِظَنٍّ) يعني يُطْلَقُ العلم وَيُرَادُ بِهِ: الظن (( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ ) )أَيْ يَعْلَمُون؛ لأن الظن هنا لا يكفي، لا بد من عقيدة جازمة، لو ظن بمعنى أنه شك ووقع تردد عنده لما آمن، فلا بد من الإيمان الجازم.
إذًا: يُطلق الظن ويراد به العلم، كما أن المعرفة تطلق ويراد بها العلم.
(وَهِيَ) أَيْ الْمَعْرِفَةُ، أخص من العلم من وجه، أراد أن يبين لنا العلاقة بين العلم والمعرفة، بناء على التفرقة بينهما.
المعرفة أخص من العلم من وجه، وأعم من وجه آخر.
قال: (وَهِيَ مِنْ حَيْثُ) هذه حيث تقييديه.
(مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ) أي: مخلوق (عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ) يعني: وجد بعد عدم؛ لأن العلم يُطلق ويراد به العلم الأزلي .. علم الله تعالى، فعبّر عنه بالقديم، ويطلق العلم ويراد به علم العباد، فهو مخلوق ولا شك.
حينئذٍ المعرفة (مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ) أي: مخلوق (أَوْ انْكِشَافٌ بَعْدَ لَبْسٍ) يعني: بعد جهل، انكشاف بعد جهل.
(أَخَصُّ مِنْهُ) يعني: مِنْ الْعِلْمِ. لماذا؟
لأن العلم يستعمل في العلم الأزلي غير المستحدث، وفي العلم المستحدث .. مخلوق، وأما المعرفة فلا، فلا تطلق المعرفة على علم الله تعالى، فلا يقال الله تعالى عارف، وإنما يقال: عالم، لماذا لا يقال؟ قال: لأن العلم يراد به العلم القديم .. الأزلي، وأما المعرفة فلا تستعمل إلا في العلم المخلوق، فلا يطلق على الله عز وجل، ونحن نقول بناء على القول الراجح: لا يقال: عارف بناء على أن الصفات توقيفية، إذا جعلنا العلم والمعرفة بمعنى واحد إذًا لماذا لا يطلق على الله عز وجل بأنه عارف؟ نقول: لعدم النص؛ لأن الصفات مبناها على التوقيف، ولما لم يرِد حينئذٍ توقفنا، ولا ننفي، نقول: الله أعلم.
فحينئذٍ نقول: لا نصف الله تعالى بكونه عارفًا، لا لكون المعرفة تستلزم الحدوث وإنما لكون العرفان لم يرد في الكتاب والسنة.
قال: (مِنْ حَيْثُ إنَّهَا عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ، أَوْ انْكِشَافٌ بَعْدَ لَبْسٍ أَخَصُّ مِنْهُ) {أَيْ مِنْ الْعِلْمِ} فالعلم أعمُّ من المعرفة؛ {لأنَّهُ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُسْتَحْدَثِ. وَهُوَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَشْمَلُ الْمُسْتَحْدَثَ, وَهُوَ عِلْمُ الْعِبَادِ} .
وأيضًا فإنه قد قيل: المعرفة علم الشيء من حيث تفصيله، يعني: المعرفة تتعلق بالجزئيات، وهذا الذي يذكره كثير من أرباب التصانيف، فالعلم يتعلق بالكليات والجزئيات، وأما المعرفة فهذه تتعلق بالجزئيات، نقول: هذا يحتاج إلى تخصيص .. يحتاج إلى دليل وهذا مجرد اصطلاح.