{أَمَّا التَّصْدِيقُ الْقَطْعِيُّ: فَإِطْلاَقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً} عندهم، وهو الذي قدمه المصنف فيما سبق: صفة يميز بها .. إلى آخره {وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا التَّصْدِيقُ الظَّنِّيُّ: فَإِطْلاَقُهُ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ} .
يعني: كأنه يقرر لك قاعدة: أن العلم في اصطلاح الأصوليين هو التصديق الجازم حقيقية، واستعماله في غير هذا المعنى فهو مجاز، فحينئذٍ العلم له إطلاق حقيقي وله إطلاق مجازي عند الأصوليين.
متى يكون إطلاقه حقيقيًا؟ إذا أريد به التصديق الجازم، وإذا أريد به ما عدى ذلك فهو إطلاق مجازي؛ ولذلك قال هنا: (وَالتَّصْدِيقُ, قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا) قال في الشرح: فَإِطْلاَقُهُ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَولُهُ تَعَالَى: (( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ) ) [الممتحنة:10] } هذا تصديق ظني، يعني: أطلق العلم مرادًا به الظن أي: ظننتموهن مؤمنات؛ إذ اليقين هنا متعذر إذ لا قدرة إلى الاطلاع عليه، لكن لما نُزِّل ذلك منزِلة اليقين لتعذر اليقين ولعظم كلمة التوحيد أطلق عليه علمًا، يعني: مجازًا، سمي هذا الإيمان علمًا مجازًا، وهذا ليس الأمر كذلك، لكن هذا مجرد اصطلاح.
إذًا: يطلق العلم ويراد به التصديق بنوعيه.
الرابع والأخير: يُطْلَقُ العلم وَيُرَادُ بِهِ (مَعْنَى الْمَعْرِفَةِ) والذي أشار إليه بقوله: (وَمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ) المعرفة هل هي مرادفة للعلم أو بينهما خلاف؟ أكثر المتأخرين على أن بينهما خلافًا، فليس العلم هو المعرفة، وليست المعرفة هي العلم، والصواب الذي عليه أهل اللغة في الجملة: أن العلم والمعرفة بمعنى واحد، ولذلك فسّروا العلم بالمعرفة وفسروا المعرفة بالعلم.
والمعرفة عند اصطلاح من فرّق بينهما: إدراك الشيء على ما هو عليه وهي مسبوقة بجهل بخلاف العلم، لكن قال هنا: (وَمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ) يعني: يطلق العلم ويراد به المعرفة، من ذلك قوله تعالى: (( لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ) [التوبة:101] يعني: لا تعرفهم نحن نعرفهم، إذا كان الأمر كذلك ففُسر العلم بالمعرفة، والمعرفة كذلك بالعلم، فدل على أنهما مترادفان وهذا هو الصحيح: المعرفة والعلم في اللغة مترادفان.
قال في لسان العرب: العرفان: العلم.
وهكذا في القاموس: يقال: عرفه أي: علمه.
وهكذا في معجم مقاييس اللغة: يقال: العلم المعرفة، والمعرفة هي العلم، كما سيأتي كذلك في المصباح المنير.
إذًا: العلم في اصطلاح الأصوليين له إطلاقان: إطلاق حقيقي وإطلاق مجازي، هي أربعة أنواع:
النوع الأول: يراد به التصديق الجازم وهو الإطلاق الحقيقي.
النوع الثاني: مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق، وهذا إطلاق مجازي.
الإطلاق الثالث: ما يقابل التصور وهو التصديق ظنيًا كان أو قطعيًا وهو مجاز.
النوع الرابع: يطلق ويرادف المعرفة؛ لأن المعرفة مسبوقة بجهل، فحينئذٍ قد يستعمل العلم مسبوق بجهل.
هذه أربعة أنواع، والصحيح أن العلم هو المعرفة والمعرفة هي العلم، وهو: إدراك المعاني مطلقًا.
قال: (وَيُرَادُ بِهَا وَبِظَنٍّ) العلم، شرع في المعرفة، هذا يسمى استخدامًا.