قال: (وَيَجُوزُ عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ) يعني: يجوز أن يستند الإجماع على اجتهاد. وهو كذلك. يقع الاجتهاد فيجمع عليه المجمعون، وهذا تجويز عقلي، لكن من حيث الواقع نحتاج إلى مثال ولا مثال.
والقياس قد يقال بأنه يُجمع عليه، وسيذكر له المصنف مثالًا.
{وَيَجُوزُ كَوْنُ الإِجْمَاعِ عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ} على الصحيح، هنا، قال {اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ} أيهما أعم وأيهما أخص؟ الاجتهاد أعم من القياس؛ لأن القياس نوع من الاجتهاد، وإنما نص عليه لأنه نوعٌ مستقل .. هو دليل مستقل، فكل قياس اجتهاد ولا عكس. تنزيل العام على جميع أفراده من قبيل الاجتهاد -تحقيق المناط- لكن لا يسمى قياسًا.
قال: {عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ} هذا الصحيح، وعليه جماهير العلماء.
(وَوَقَعَ) قال: (يَجُوزُ .. وَوَقَعَ) .
نأخذ من هذا: أن المصنف إذا عبّر بالجواز حينئذٍ مراده الجواز العقلي، ولا يلزم من ذلك الوقوع، ولذلك قال هنا: (وَيَجُوزُ وَوَقَعَ) . هذا فيه ردًا على من أجازه ومنع الوقوع، وما أكثر المسائل التي ينص عليها الأصوليون وإنما هي جائزة في العقل فحسب، وأما في الوجود هذا لا وجود لها البتة.
قال: (وَيَجُوزُ وَوَقَعَ) . يعني: وقع الإجماع وكان مستنده الاجتهاد، ووقع الإجماع وكان مستنده القياس.
حينئذٍ يترتب عليه أنه كسائر الإجماعات، الإجماع لا يجوز خرقه سواء كان مستندًا إلى كتاب أو سنة أو اجتهاد أو قياس .. لا فرق، متى ما ثبت الإجماع تحرم مخالفته البتة، سواء كان إجماعًا قطعيًا أو إجماعًا ظنيًا، سواء استند إلى كتاب أو سنة أو اجتهاد أو قياس. فالنظر حينئذٍ في حصول مجرد الاتفاق بالشروط السابقة، متى ما حصل انعقد الإجماع فحينئذٍ تحرم مخالفته، ولذلك قال: (وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ) .
{أَيْ: مُخَالَفَةُ الإِجْمَاعِ الْوَاقِعِ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ قِيَاسٍ} كغيره من الإجماعات؛ وهذا إنما نص عليه المصنف؛ لأن الخلاف هنا أوسع من الخلاف مما سبق .. مما إذا كان الإجماع مستندًا إلى كتاب أو سنة، وأما الاجتهاد فهذا بعضهم قال: لا يتصور. كيف يتفق الأئمة المجتهدون على اجتهاد في مسألة واحدة؟ ولا شك أن الاجتهاد مرتبط بالفهم، والفهم يتبع الطبائع والذكاء، وهذه مختلفة. إذًا: لا يتصور وجود إجماع عن اجتهاد.
لكن المصنف يقول: (وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ) .
{عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ} .
إذًا: هذا هو القول المشهور: أن الإجماع يكون عن اجتهاد، ويكون عن قياس، وهل هو واقع أم لا؟ ادعى المصنف أنه واقع.
وَخَالفَ ابْنُ جرير الطبري، وفي شرح الكوكب: ابن حزمٍ.
قال: خَالَفَ ابْنُ جريرٍ الطبري، وَالظَّاهِرِيَّةُ فِي الْجَوَازِ. هذا التصحيح من التحبير نفسه وهو أصل الكتاب، الفتوحي اختصر الكوكب المنير .. الأصل والشرح.
يعني: الأصل اختصر المتن .. التحرير في مختصر التحرير، والشرح شرحه كذلك بمختصره. يعني: حذف مسائل وأبقاه كما هو.
إذًا: خَالَفَ ابْنُ جريرٍ، وَالظَّاهِرِيَّةُ فِي الْجَوَازِ. هكذا في أصله.