يعني: تبعيض، قول الحسن هنا ليس في المسألة التي معنا، وإنما هي في مسألة أخرى وهي التي ستأتي (وَلَا تَفْصِيلٍ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ) وما قاله الحسن رحمه الله تعالى هذا قول بالتبعيض.
{وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ} .
قال أبو الخطاب وبعض الحنفية وغيرهم: لا يحرم إحداث قول ثالث مطلقًا.
وذكر في التمهيد أنه ظاهر كلام أحمد.
{لأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالَ: لا يَقْرَأُ الْجُنُبُ حَرْفًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْرَأُ مَا شَاءَ. فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى: يَقْرَأُ بَعْضَ آيَةٍ} هذا تبعيض، هذه مسألة واحدة، وأخذ بعض القول وبعض القول الآخر فليست مسألتنا.
وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي فِي قِرَاءَةِ الْجُنُبِ. قُلْنَا بِهَذَا مُوَافَقَةً لِكُلِّ قَوْلٍ. وَلَمْ نَخْرُجْ عَنْهُمْ.
وَلأَنَّهُ لَمْ يَخْرِقْ إجْمَاعًا سَابِقًا. فَإِنَّهُ قَدْ لاَ يَرْفَعُ شَيْئًا مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وقال في الروضة: ولنا أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق والغفلة عنه، وهذا هو الحق. أنه لا يجوز إحداث قول ثالث البتة، وفرض المسألة في مسألة واحدة فيها قولان متباينان، ويأتي قول ثالث مباين للقولين، هذه صورة المسألة.
فحينئذٍ ادعاء أن ثم قولًا ثالثًا هذا فيه تهمة للصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنه ليس ثم ناطق بالحق، ولذلك قال ابن قدامة مرجحًا لهذا القول: ولنا أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق والغفلة عنه، فإنه لو كان الحق في القول الثالث كانت الأمة قد ضيّعته وهو كذلك، وغفلت عنه، وخلا العصر عن قائم لله بحجته، ولم يبق منهم أحد على الحق وذلك محال .. أن يكون في زمن الصحابة لم يكن فيه قائل بالحق.
إذًا: الصواب ما قدمه المصنف رحمه الله تعالى بتحريم إحداث قول ثالث مطلقًا.
(وَلَا تَفْصِيلٍ إذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ إِثْبَاتًا نَفْيًا) .
يعني: إذا لم يُفصل أهل العصر بين مسألتين، بأن قال بعضهم بالحل فيهما، وآخرون بالتحريم فيهما، وأراد من بعدهم بالتفصيل.
{وَلاَ يَحْرُمُ إحْدَاثُ تَفْصِيلٍ أَيْ: قَوْلٍ مُفَصَّلٍ إِذَا اخْتَلَفُوا} يعني: الصحابة {فِي مَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ حَالَ كَوْنِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إثْبَاتًا وَالآخَرِ نَفْيًا عِنْدَ الْقَاضِي. وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ} .
يعني: الجمع بين القولين المختلفين في الظاهر إثباتًا ونفيًا. بأن يكون القول الثالث أخذ بعض القول الأول وترك بعضًا، ونظر إلى القول الثاني فأخذ بعضه وترك البعض الآخر، قال: هذا لا يعتبر محرمًا. وهذا كثيرًا ما يسلكه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول: هذا القول بعض قول أبي حنيفة وكذلك بعض قول الإمام أحمد.
وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ مُطْلَقًا. وَنَقَلَهُ الآمِدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ: إِنْ صَرَّحُوا بِالتَّسْوِيَةِ لَمْ يَجُزْ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ ظَاهِرًا.