{وَأَجْمَعُوا عَلَى تَأْوِيلِهَا بِأَحَدِهَا} يعني: حملوا اللفظ على واحد منها، إن نُقل بأن اللفظ استعماله في غير ما أجمعوا عليه باطل كان به، وإلا فيُحمل على العموم.
صَارَ كَالإِفْتَاءِ فِي حَادِثَةٍ تَحْتَمِلُ أَحْكَامًا بِحُكْمٍ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُؤَوَّلَ بِغَيْرِهِ. كَمَا لاَ يُفْتَى بِغَيْرِ مَا أَفْتَوْا بِهِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ.
يعني: التأويل المتأخر.
{قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لاَ يَحْتَمِلُ مَذْهَبُنَا غَيْرَ هَذَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ} يعني: المنع.
والعلة في ذلك: أنه قد يُفتح الباب، فيأتي المبتدع فحينئذٍ يحمل المعاني على ما أراد، وإذا كان كذلك فيغلق الباب، فيقال بالمنع، لكن الصواب أن يقال: أن احتمال المعاني هل هي مرادة في الشرع واللغة أم لا؟ إن كانت مرادة فحينئذٍ الأصل: حمل اللفظ على جميع معانيه، فإن أجمعوا على معنى واحد ومنعوا بقية المعاني فكان بها .. صار الإجماع مخصِّصًا، وإن نُقل أنهم فسروا بمعنى واحد ولم يُنقل المنع من سائر المعاني فالأصل أنه يُحمل عليه، ويكون هذا المعنى المجمع عليه آكد المعاني فحسب.
وأما منع أرباب البدعة فيكون لا من هذا الطريق، وإنما بإبطال ما فسروا به، وإلا قيل: الاستواء يُفسّر بالاستيلاء، واليد يُفسر بالنعمة .. وغير ذلك، نقول: هذه معاني باطلة قد لا يدل عليها اللغة ولا يدل عليها قطعًا الشرع. نقول: قد لا يدل عليها اللغة؛ لأنهم قد يستندون في بعض المسائل على لغة العرب كاليد.
وأما من جهة الشرع فهي غير مرادة؛ لأن الذي خاطبنا بأن له يدين قال: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ) [الشورى:11] حينئذٍ كيف يتصور الناظر أن اليدين المطلقتين في حق الباري جل وعلا أنها تُوهم التشبيه؟ نقول: هذا فساد في عقله وليس في الشرع.
فحينئذٍ المعنى اللغوي قد يكون متعددًا لكن منع منه الشرع، فيُنظر في هذه المسألة على ما ذُكر.
إذًا: لا يحرم إحداث دَلِيلٍ أَوْ عِلَّةٍ آخَرَيْنِ أَوْ تَأْوِيلٍ لا يُبْطِلُ الْأَوَّل.
قال رحمه الله تعالى: (وَاتِّفَاقُ عَصْرٍ ثَانٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ الْخِلَافُ لاَ يَرْفَعُهُ) يعني: لا يرفع الخلاف.
إذا اختلف الصحابة على قولين، ثم أجمع التابعون على أحد القولين، هل يُعتبر إجماعًا أو لا؟ قيل وقيل، والصواب أنه لا يرفع الخلاف، فإجماعهم الثاني إنما كان بعد استقرار الخلاف، يعني: استقر وثبت، حينئذٍ نقول: هذا لا يُعد إجماعًا، والخلاف باق؛ لأن أرباب الأقوال لا تموت أقوالهم بموتهم بل هي باقية، وحينئذٍ يكون الخلاف معتبر.
(وَاتِّفَاقُ عَصْرٍ) يعني: مجتهدي عَصْرٍ (ثَانٍ) كالتابعين.
{عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ} كالصحابة.
{وَقَدْ اسْتَقَرَّ الْخِلافُ فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ} يعني: ثبت.
{لاَ يَرْفَعُهُ} يعني: الاتفاق هذا الثاني لا يرفع الخلاف الأول.
{وَلاَ يَكُونُ اتِّفَاقُ الْعَصْرِ الثَّانِي إِجْمَاعًا} . وهو قول جماهير الأصوليين.
لأَنَّ مَوْتَ الْمُخَالِفِ فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ لاَ يَكُونُ مُسْقِطًا لِقَوْلِهِ فَيَبْقَى.