لا. الدليل السمعي ما أطلقه، وإنما أراد به غير سبيل المؤمنين، يعني: الذين وصفوا من يسلكوا ما أراده الله تعالى، وإنما يُجعل الشيء مرجحًا لشيء على شيء آخر إنما هو من جهة الشرع، فالدليل الشرعي هو الذي تثبت به الأحكام الشرعية، لا الأحكام اللغوية ولا العقلية ولا غيرها.
قال هنا: {فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ} لأن الأصل عدم التقييد، بل ظاهر النصوص أنها مقيَّدة، بماذا؟ بالقرائن والأحوال أن المراد به الإجماع الشرعي.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَلِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيِّ فِيهِ قَوْلاَنِ.
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، وَوَجْهُهُ: اخْتِلافُ الْمَصَالِحِ بِحَسَبِ الأَحْوَالِ.
نعم! هذه تختلف بحسب الأحوال.
{فَلَوْ كَانَ حُجَّةً لَزِمَ تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ وَإِثْبَاتُ الْمَفْسَدَةِ، وَقَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَصَحَّحَهُ السَّمْعَانِيُّ} وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ الموفق في الروضة في حد الإجماع.
وهذا هو الصحيح: أن الإجماع في الأمر الدنيوي لا يُعتبر واجبًا، يعني: الأخذ به لا يُعتبر واجبًا.
{قَالَ الْكُورَانِيُّ: لاَ مَعْنَى لِلإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ. لأَنَّهُ لَيْسَ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ لَيْسَ دَلِيلًا لا يُخَالَفُ فِيهِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ التَّلْقِيحِ حَيْثُ قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ} .
النبي صلى الله عليه وسلم بُعث بالشرعيات، والأدلة الشرعية إنما تكون لإثبات الشرعيات لا للأمور الدنيوية.
{وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ خِلافُهُ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَمْرِ الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا إِنْ أَثِمَ مُخَالِفُ ذَلِكَ فَلِكَوْنِهِ شَرْعِيًّا، وَإِلاَّ فَلا مَعْنَى لِوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ} .
قال: (أَوْ لُغَوِيٍّ) يعني: {أَوْ مِنْ أَمْرٍ لُغَوِيٍّ} فيصح التمسك بالإجماع عليه.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: لاَ خِلافَ فِي ذَلِكَ، كَكَوْنِ الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ، فَقُطِعَ بِهِ.
وَقِيلَ: يُعْتَدُّ بِالإِجْمَاعِ فِيهِ إنْ تَعَلَّقَ بِالدِّينِ وَإِلاَّ فَلاَ وهو كذلك {ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ} .
يعني: الإجماع اللغوي إن ترتب عليه بيان حكم شرعي حينئذٍ يتمسك به، وإلا فالأصل العدم؛ لأن الإجماع الأصل فيه إنما هو دليل شرعي، وما عداه فالأصل فيه العدم إلا إذا تعلق به حكم شرعي، وحينئذٍ يكون هو المستند.
ونقف على هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!