إذًا: الظاهر والله أعلم أنه لا يجوز مطلقًا لا المكلَّف به ولا غيره؛ لعموم الأدلة. ثُم ما من مسألة شرعية وإن لم يقع فيها تكليف بأمر أو نهي يتعلق بها كذلك الاعتقاد من جهة ما يُنسب إلى الشرع.
قال رحمه الله تعالى: (لاَ انْقِسَامُهَا فِرْقَتَيْنِ كُلُّ فِرْقَةٍ مُخْطِئَةٌ فِي مَسْأَلَةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْأُخْرَى) .
وهذه المسألة يُعنوَن لها: هل يجوز انقسام الأمة إلى قسمين، كل قسمٍ مخطئ في مسألة أخرى غير مسألة صاحبه؟ طائفتان. وكل منهما عندهما مسألتان، هذه أخطأت في مسألة وأصابت الثانية، وهذه الأولى أصابت في المسألة وأخطأت فيها الثانية.
إذًا: فرقتان كل منهما مخطئ في مسألة أخرى غير مسألة صاحبه.
قالوا: كاتفاق شطر الأمة-الطائفة الأولى- على أن الترتيب في الوضوء واجب وفي الصلوات الفائتة لا يجب.
واتفاق الشطر الآخر على أن الترتيب في الفوائت واجب وفي الوضوء لا يجب. عكسه.
حينئذٍ هل يقع بينهما قدر مشترك في مسألة ما الكل مخطئ فيها؟
فذهب الأكثرون إلى المنع؛ لأن خطأهم في المسألتين لا يخرجهم من أن يكونوا قد اتفقوا على الخطأ وهو منفيٌ عنهم، وجوّزه المتأخرون؛ لأن المخطئ في كل واحدة بعض الأمة.
قال هنا: (لاَ انْقِسَامُهَا فِرْقَتَيْنِ) يعني: لا يجوز.
عند المصنف رحمه الله تعالى: لا يجوز انقسام الأمة فرقتين. يعني: طائفتين.
{كُلُّ فِرْقَةٍ مُخْطِئَةٌ فِي مَسْأَلَةٍ مُخَالِفَةٍ} للطائفة {لِلْأُخْرَى} هذه أصابت وهذه أخطأت.
عِنْدَ الأَكْثَرِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: اخْتَلَفُوا هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى خَطَإٍ فِي مَسْأَلَتَيْنِ. كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَالْبَقِيَّةِ بِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَفِي الْفُرُوعِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَعْضُ -أَيْ: إحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ- بِأَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ. وَالْبَاقِي بِأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا يَرِثُ.
مسألتان متعلقة بالمانع من الإرث .. بأن العبد يرث وهذا خطأ.
ويقول الباقي: بأن القاتل عمدًا يرث. وهذا كذلك خطأ.
إذًا: اتفقا على خطأ في مسألتين، لكن مردها إلى أصل واحد وهو المنع من الإرث.
{فَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى الْخَطَإِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لأَنَّ كُلَّ خَطَإٍ مِنْ هَذَيْنِ الْخَطَأَيْنِ لَمْ يُسَاعِدْ عَلَيْهِ الْفَرِيقُ الآخَرُ} يعني: من قال بأن العبد يرث هو بعض الأمة لا كل الأمة، فأين الإجماع؟
لم يجمعوا على أن العبد يرث وإنما أخطأ بعض الأمة، والطائفة الأخرى قالت: القاتل العمد يرث، هذه بعض الأمة فأين الإجماع؟ لم يكن فيه إجماع، وإنما نظروا إلى البعض والبعض، فصار المجموع الأمة كلها فأخطأت، لكن محل الخطأ هنا متعدد .. ليس متحدًا، وعليه: لا يقال بأنه إجماع؛ لأن الطائفة التي قالت بأن العبد يرث مقابلها طائفة قالت بأنه لا يرث، والطائفة التي قالت بأن القاتل عمد يرث مقابلها طائفة أخرى تقول: لا يرث. فأين الإجماع؟ ليس فيه إجماع.