يعني: المعنى، لكن كما ذكرنا سابقًا أنه له صيغة والصيغة هل اللفظ والمعنى معًا.
ولذلك قال هنا: وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لاَ صِيغَةَ لَهُ.
وَقَالَتْ الأَشْعَرِيَّةُ: هُوَ الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ.
إذًا: مرد المسألة إلى ما سبق.
قال: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إِرَادَةُ) يعني: إرادة الإخبار.
هل يُشترط في الخبر والكلام والأمر الإرادة؟ لا يشترط، وإنما النظر يكون في اللفظ فحسب .. في التركيب: زيدٌ قائم، قام زيدٌ. نقول: هذا خبر ولا يشترط فيه الإرادة.
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) {أَيْ: فِي الْخَبَرِ (إِرَادَةُ) الإِخْبَارِ، بَلْ هُوَ مُفِيدٌ بِذَاتِهِ إفَادَةً أَوَّلِيَّةً} .
لأنك لو اشترطت الإرادة حينئذٍ لو قال: قام زيدٌ. ننتظر، لا نأخذ الفائدة حتى نعلم هل أراد الإخبار أو لا؟ هل اقترنت الإرادة باللفظ والمعنى معًا أو لا، فإن لم تكن فحينئذٍ لا يفيد. وهذا باطل؛ لأن الحكم معلَّق هنا على اللفظ فحسب.
ويأتي في الأمر: هل يُشترط فيه الإرادة أم لا؟
{وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا يُفِيدُ بِاللاَّزِمِ أَوْ بِالْقَرِينَةِ. نَحْوُ: أَنَا أَطْلُبُ مِنْك أَنْ تُخْبِرَنِي بِكَذَا} هذا صورة.
أَوْ أَنْ تَسْقِيَنِي مَاءً، أَوْ أَنْ تَتْرُكَ الأَذَى وَنَحْوَهُ.
فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ دَالاًّ عَلَى الطَّلَبِ، لَكِنَّهُ لاَ بِذَاتِهِ بَلْ هَذِهِ إخْبَارَاتٌ لاَزَمَهَا الطَّلَبُ، وَلا يُسَمَّى الأَوَّلُ اسْتِفْهَامًا أَنَا أَطْلُبُ مِنْك أَنْ تُخْبِرَنِي بِكَذَا. لا يسمى استفهامًا.
{وَلا الثَّانِي أَمْرًا} أَنْ تَسْقِيَنِي مَاءً. اسقني ماء، هذا أمر. أطلب منك أن تسقيني ماءً، هذا الثاني لا يسمى أمرًا.
{وَلا الثَّالِثُ نَهْيًا} أطلب منك أَنْ تَتْرُكَ كذا؛ لأنه دل عليه باللازم لا باللفظ.
{وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا عَطْشَانُ. كَأَنَّهُ قَالَ: اسْقِنِي. فَإِنَّ هَذَا طَلَبٌ بِالْقَرِينَةِ لاَ بِذَاتِهِ} .
قال: {إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ} (فَإِتْيَانُهُ دُعَاءً أَوْ تَهْدِيدًا أَوْ أَمْرًا مَجَازٌ) .
(فَإِتْيَانُهُ) {أَيْ: مَجِيئُهُ} الخبر (دُعَاءً) {نَحْوَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ} هذا مجاز؛ لأن الأصل في الخبر ما احتمل الصدق والكذب، فإذا قال: غفر الله له. هنا لم يأت باللفظ الذي هو في ظاهره خبر على أنه أراد به الخبر، وإنما أراد به الدعاء .. الإنشاء. فعبّر بالخبر وأراد به الدعاء، فيسمى إنشاء من جهة المعنى وخبرًا من جهة اللفظ.
ولذلك دائمًا ترى أهل العلم إذا جاءوا يفسِّرون: صلى الله عليه وسلم في المقدمات. هذه جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى. يعنُون به هذا.
خبرية لفظًا من جهة اللفظ، إنشائية معنى من جهة المعنى؛ لأنه قُصد بها الدعاء.
قال: {نَحْوَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ} هذه كأنه وقع في الزمن الماضي .. وقعت المغفرة، فهو فعل ماضي. ولذلك قال: {غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ} لكن المراد به: اللهم اغفر له وارحمه.