العدل من حيث هو يحتمل خبره الكذب والصدق، لكن لعدالته حينئذٍ رجحنا صدقه على كذبه، لكنه ليس مقطوعًا به؛ لأنه لو كان مقطوعًا به حينئذٍ لا يقبل قوله إلا التصديق وليس الأمر كذلك.
فحينئذٍ نقول: (ظُنَّ صِدْقُهُ كَعَدْلٍ) {أَيْ كَخَبَرِ الْعَدْلِ، لِرُجْحَانِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ، وَيَتَفَاوَتُ فِي الظَّنِّ} يعني: درجات.
{وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا ظُنَّ كَذِبُهُ} .
(كَكَذَّابٍ) كذّاب خبرٌ من حيث هو يحتمل الصدق والكذب، لكن نقول: لكذبه حينئذٍ (ظُنَّ) يعني: رُجِّح وغُلِّب كذبه على صدقه، وإلا الكاذب قد يصدق .. قد يصدق الكذوب، قد للتقليل هنا.
قال: ومَا ظُنَّ كَذِبُهُ كَخَبَرِ كَذَّابٍ لِرُجْحَانِ كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ. وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ أَيْضًا.
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا شُكَّ فِيهِ على الاستواء {كَمَجْهُولِ الْحَالِ. فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الاحْتِمَالانِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ} .
إذًا: قوله في تعريف الخبر: ما احتمل الصدق والكذب. إما على السواء وإما على الترجيح .. أن يظن صدقه يعني: يُرجّح صدقه على كذبه، أو بالعكس.
ثم قال: (وَلَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ كَذِبًا) .
لَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ يَكُونُ كَذِبًا؛ لأنه لا يشترط إقامة القرينة على الصدق، بل متى ما تكلم بكلام يُنظر في حاله، فإذا لم يُقم دليلًا حينئذٍ رجعنا إلى الأصل فيه، إن كان صادقًا فهو صادق، إن كان كاذبًا فهو كاذب، ولو لم يقم دليلًا أو أمارة وعلامة؟ نعم ولو لم يقم ذلك.
قال: (وَلَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ كَذِبًا) .
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَقَوْلُ قَوْمٍ: كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ كَذِبٌ بَاطِلٌ.
وَاسْتَدَلُّوا لِقَوْلِهِمْ: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صِدْقًا لَنُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لا يلزم ذلك أنه ينصب عليه الدليل فنرجع إلى الأصل.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَمَدْلُولُهُ) يعني: مدلول الخبر.
(الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لاَ ثُبُوتُهَا) قال هناك فيما سبق: (وَمَوْرِدُهُمَا النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا) يعني: تضمنها الخبر، مورد الصدق والكذب.
وهنا قال: (وَمَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لاَ ثُبُوتُهَا) .
(وَمَوْرِدُهُمَا) أي: مورد الصدق والكذب. يعني: محل ما يتعلق به الصدق والكذب.
قال: (النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا) {الْخَبَرُ} وأنا قلت: الإيقاع وهو وهم، الظاهر أن المراد به: النسبة .. الارتباط بين المسند والمسند إليه، إذا قلت: زيدٌ قائمٌ. دل على ثبوت قيام زيدٍ.
هذه النسبة الخبرية، ثم هل وقع بالفعل أو لا؟ هذه الإيقاع واللا وقوع، هذا يسمى الحكم بالنسبة، هو الذي عناه في المسألة الآتية (وَمَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لاَ ثُبُوتُهَا) .
إذًا: فرقٌ بين المسألتين:
المسألة الأولى: ثبوت النسبة في نفسها: زيدٌ قائمٌ.
ما هي النسبة؟ ثبوت قيام زيد، من أين أخذناه؟ من التركيب.
ثم مسألة أخرى: ثبوت قيام زيد هل هو بالفعل في الخارج موجود أو لا؟ هذا يسمى الحكم بالنسبة.
فمورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها لا الإيقاع، أنا وهمت في هذا.