(وَمَدْلُولُهُ) {وَمَدْلُولُهُ أَيْ الْخَبَرُ هُوَ} (الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لاَ ثُبُوتُهَا) عكس ما سبق، ففرقٌ بين مدلول الخبر وبين مورد الصدق والكذب.
قال: (الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لاَ ثُبُوتُهَا) {أَيْ: الْحُكْمُ بِثُبُوتِ النِّسْبَةِ لاَ نَفْسُ الثُّبُوتِ} .
لو كان نفس الثبوت لما كذَب خبرٌ؛ لأن ما من خبر بين مسند ومسند إليه إلا وُجدت النسبة، لو قال قائل وهو يكذب: زيدٌ مسافرٌ. ثبوت سفر زيد هذا هو النسبة، حينئذٍ ثابتة أو لا؟ ثابتة، لكن الكذب يعتبر باعتبار عدم مطابقته للخارج.
فلو كان مدلول الخبر هو ثبوت النسبة في نفسها لما كذب خبر البتة؛ لأنه ما من خبر إلا وهو مؤلف من مسند ومسند إليه. العلاقة والارتباط هو: ثبوت النسبة. فلا يخلو خبر عنها، لكن الحكم الذي هو الخارج هو الذي يقال فيه صدق وكذب.
قال: أَيْ: الْحُكْمُ بِثُبُوتِ النِّسْبَةِ لاَ نَفْسُ الثُّبُوتِ.
فَإِذَا قُلْت: زَيْدٌ قَائِمٌ. فَمَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ قِيَامِهِ لاَ نَفْسِ ثُبُوتِ قِيَامِهِ فرقٌ بينهما.
{إِذْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ ثُبُوتُ قِيَامِ زَيْدٍ، لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْخَبَرِ كَذِبًا} وهو كذلك.
{بَلْ يَكُونُ كُلُّهُ صِدْقًا} لأنه لا يخلو تركيب عن ثبوت النسبة.
هذا يتعلق بفهم المنطق هناك، كل تركيب: مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل فهو مرتبط بأربعة تصورات: تصور الموضوع، تصور المحمول، تصور الارتباط بينهما. الارتباط هنا المراد به: النسبة.
إذًا: لا يخلو تركيب عن هذه النسبة، فكل تركيب لا بد أن يكون متضمنًا هذه النسبة.
هل مدلول الخبر هذه النسبة؟ لو قلت: نعم. لزم منه ألا يكون خبر إلا وهو صادق؛ لأنه ما من خبر مؤلف من مسند ومسند إليه إلا ويتضمن هذه النسبة.
لكن المراد به: الإيقاع. هل ثبتت هذه النسبة بالفعل في الخارج أم لا؟ حينئذٍ وقع التطابق وعدم التطابق.
قال: {قَالَهُ الرَّازِيّ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ} .
قال الكوراني: اختُلف في أن مدلول الخبر هل هو وقوع النسبة في ذاتها أو إيقاع المتكلم؟ الثاني.
هل وقوع النسبة في ذاتها. يعني: دلالة اللفظ عليها، أو إيقاع المتكلم؟
فطائفة قالت: إنه الإيقاع لا الوقوع. وهذا هو الصحيح.
وإلا لزم ألا يوجد الكذب في الكلام، توضيح ذلك قولك: إن زيدًا قائمٌ.
لو دل على ثبوت القيام فحيث ما وجد زيدٌ قائم فيثبت قيامه، ولم يُتصور الكذب في الكلام وهو مختار الإمام وبعض المتأخرين.
قال هنا: وَخَالَفَ الْقَرَافِيُّ فَقَالَ: إِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ الْخَبَرَ إلاَّ لِلصِّدْقِ؛ لاتِّفَاقِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَامَ زَيْدٌ: حُصُولُ الْقِيَامِ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي. وَاحْتِمَالُهُ الْكَذِبَ لَيْسَ مِنْ الْوَضْعِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ.
قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ أَنَّ الْخَبَرَ فِي مِثْلِ: زَيْدٌ قَائِمٌ، إذَا صَدَرَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ بِالْقَصْدِ، يَدُلُّ عَلَى الإِيقَاعِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي صَدَرَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الْوُقُوعِ لازم له.