{فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى حُكْمًا} لكن المراد بالحكم عند المناطقة هو الإيقاع لا الوقوع، فلو سُمي حكمًا فهو عند غيرهم وليس عند المناطقة.
{فَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَصِدْقُ الْخَبَرِ وَكَذِبُهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الإِيقَاعِ} إيقاع المتكلم لأَنَّهُ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ لا الْوُقُوعِ.
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ إفَادَةِ الْمُخَاطَبِ فَالْحُكْمُ هُوَ الْوُقُوعُ؛ لأَنَّك إِذَا قُلْت زَيْدٌ قَائِمٌ إنَّمَا يُفِيدُ الْمُخَاطَبَ وُقُوعَ الْقِيَامِ، لا أَنَّك أَوْقَعْت الْقِيَامَ عَلَى زَيْدٍ. فَإِنَّهُ لا يُعَدُّ فَائِدَةً.
أوقعت القيام على زيد، إنما حصل بضم كلمة إلى أخرى، زيدٌ قائمٌ.
زيدٌ وضممت إليه قائمٌ. إذًا: أنت أثبت له القيام، لكن هل هو حكمٌ؟ لا ليس بحكم، وإنما الحكم يكون مطابقًا للواقع.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَمِنْهُ تَوَاتُرٌ) .
أراد أن يقسِّم لك الخبر إلى متواتر وآحاد.
(وَمِنْهُ تَوَاتُرٌ) .
{أَيْ وَمِنَ الْخَبَرِ} قسَّم لك الخبر إلى قسمين: تواتر وآحاد، وهذا التقسيم تقسيمٌ اصطلاحي ولا إشكال فيه، وإنما الإشكال فيما يترتب عليه من بعض الأحكام البدعية، بكونه لا يُقبل في العقائد إلا كذا، وهذا يُرد وهذا يفيد الظن، وهذا يفيد القطع .. ثم نرد أحكام الشريعة بناءً على هذا التقسيم.
فحينئذٍ يُنظر فيه، التقسيم من حيث هو لا إشكال فيه، كما أن الكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز، من حيث هو لا إشكال فيه. وهو صحيح وثابت في نفسه، وحُكي عليه إجماع.
لكن إذا بُني عليه رد بعض العقائد هنا قلنا: هذا الرد باطل .. استعمال هذا التقسيم"الحقيقة والمجاز"في رد آيات الصفات. يقال: هذا باطل، ولا يلزم من ذلك أن نرجع إلى الأصل فننفيه لا، كذلك التواتر والآحاد، ظن بعضهم أن هذا من جهة الأصوليين ولا يُعرف عن أهل الحديث، بل الصواب أنه معروف عن أهل الحديث، واستعمال التواتر ورد في لسان ابن المديني وكذلك البخاري وغيره.
لكن ما ترتب عليه من أحكام أو بعض الشروط التي ذكرها الأصوليون .. هذا كله يُنظر فيه، فما وافق الحق قُبِل وما خالف رُد، وأما أن نرجع إلى التقسيم فنبطله فلا.
(وَمِنْهُ) {أَيْ وَمِنَ الْخَبَرِ (تَوَاتُرٌ) يَعْنِي: أَنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، تَوَاتُرًا وَآحَادًا} .
(وَهُوَ) {أَيْ: التَّوَاتُرُ} .
(لُغَةً تَتَابُعُ بِمُهْلَةٍ) يعني: تَتَابُعُ شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ (بِمُهْلَةٍ) أَيْ: وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ مِنْ الْوَتْرِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ) )أَصْلُهَا وَتْرًا أُبْدِلَتْ التَّاءُ مِنْ الْوَاوِ. قَالَهُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ.
ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ: مِنْ غَلَطِ الْعَامَّةِ قَوْلُهُمْ: تَوَاتَرَتْ كُتُبُك إلَيَّ. أَيْ: اتَّصَلَتْ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ التواتر يدل على المهلة، فإذا قال: تواترت إلي كتبك يعني: تواصلت من غير انقطاع، هذا غلط.
{وَإِنَّمَا التَّوَاتُرُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ بَيْنَهُمَا انْقِطَاعٌ. وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنْ الْوَتْرِ، وَهُوَ الْعَوْدُ} .