وإن أفاد العلم ولو بعدد كثير لكن لا بذاته بل بالقرائن. هذا لا يسمى متواترًا عند الأصوليين.
(لِلْعِلْمِ بِنَفْسِهِ) .
لأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ لا بِنَفْسِهِ بَلْ بِسَبَبِ مَا احْتَفَّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ.
ثُمَّ الْقَرَائِنُ الزائدة {الْمُفِيدَةُ لِلْعِلْمِ قَدْ تَكُونُ عَادِيَّةً كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ بِمَوْتِ وَلَدِهِ مِنْ شَقِّ الْجُيُوبِ وَالتَّفَجُّعِ} .
يعني: أخبر عن ولده بأنه مات، وصاحبه شيءٌ مما ذكره من المحرمات: شق الجيب، واللطم .. ونحو ذلك، هذه قرينة عادية تدل على العلم بخبره فهو صادقٌ.
وَقَدْ تَكُونُ عَقْلِيَّةً، كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ تَقْتَضِي الْبَدِيهَةُ صدقهم. يعني: كما لو أخبرك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي اتفقوا على خبر واحد، هذا ليس العدد عدد التواتر عند كثير من الأصوليين. فحينئذٍ أفاد صدقه، لكن لماذا؟ لشيء زائد على مجرد العدد وهو عدالة كل من الأربعة.
{وَقَدْ تَكُونُ حِسِّيَّةً كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ بِعَطَشِهِ} .
قال ابن العراقي: زاد بعضهم: بنفسه؛ ليُخرج ما امتنع فيهم ذلك بالقرائن أو موافقة دليل عقلي، أو غير ذلك.
يعني: ما أفاد لا بنفسه، ولا يُحتاج لذلك .. لا يحتاج إلى قوله: بنفسه؛ لأن المفيد للقطع هو مع القرائن. وهذا هو الصحيح.
أنه قد يفيد العلم بنفسه، وهذا لا إشكال فيه، لكنه ليس قيدًا للاحتراز، وقد يفيد العلم مع القرائن.
قال هنا: {وَكَوْنُ خَبَرِ التَّوَاتُرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ هُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ} .
(وَالْحَاصِلُ ضَرُورِيٌّ) ما هو هذا العلم؟
العلم قد يكون نظريًا وقد يكون ضروريًا.
قال: {وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ؛ إذْ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا لافْتَقَرَ إلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ} يعني: النظر. مقدمة صغرى ومقدمة كبرى، فيحتاج إلى استدلال، فما احتاج إلى استدلال لا يسمى العلم ضروريًا .. ما افتقر إلى استدلال.
وَالنَّظَريْ ما احْتاجَ لِلتَّأَمُّلِ ... وَعَكْسُهُ هُوَ الضَّروريُّ الجَلي
إذًا: ما لا يحتاج إلى التأمل والنظر والاستدلال، وتركيب القياس من مقدمتين فأكثر. هذا يسمى ضروريًا، وما احتاج يسمى نظريًا.
هنا العلم الذي أفاده التواتر قال: (ضَرُورِي) حينئذٍ لا يحتاج إلى مقدمات.
{وَلَمَا حَصَلَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ} .
وجدنا أن النساء والصبيان يحصل لهم العلم الضروري، العلم بما أفاده التواتر، حينئذٍ هم ليسوا من أهل النظر، دل ذلك على أنه ضروري.
{وَلَسَاغَ الْخِلافُ فِيهِ عَقْلًا، كَسَائِرِ النَّظَرِيَّاتِ، وَلأَنَّ الضَّرُورِيَّ مَا اُضْطُرَّ الْعَقْلُ إلَى التَّصْدِيقِ بِهِ. وَهَذَا كَذَلِكَ} .
إذًا: الصحيح عند الأصوليين أن التواتر يفيد العلم، ثُم على المشهور عندهم"بنفسه"احترازًا عما أفاده بالقرائن.
ثم ما نوع هذا العلم؟ هل هو ضروري أو نظري؟ المرجَّح عند الجماهير أنه ضروري لا نظري؛ لأنه لا يفتقر إلى مقدمات.