{وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمْعٌ: إِنَّهُ نَظَرِيٌّ؛ إذْ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمَا افْتَقَرَ إِلَى النَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ} وما هما المقدمتان؟
قال: {اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الإِخْبَارِ} يعني: العدد.
{وَامْتِنَاعُ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. فَصُورَةُ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ. رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ} .
لا بد من ذلك، هذا شرط في حقيقة التواتر، فلا يوجد التواتر إلا إذا اتفقوا على الإخبار. يعني: ليس المراد اتفاق هنا بمعنى أنهم يتواطئون لا، المراد النتيجة. فحصل اتفاق أو لا؟ نقول: حصل الاتفاق.
ثم امْتِنَاعُ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. هذا من خارج .. للعادة وليس للتواطؤ بينهم.
رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَالْخِلافُ لَفْظِيٌّ؛ إِذْ مُرَادُ الأَوَّلِ بِالضَّرُورِيِّ: مَا اُضْطُرَّ الْعَقْلُ إِلَى تَصْدِيقِهِ.
وَالثَّانِي: الْبَدِيهِيُّ الْكَافِي فِي حُصُولِ الْجَزْمِ بِهِ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ. وَالضَّرُورِيُّ يَنْقَسِمُ إلَيْهِمَا.
فَدَعْوَى كُلٍّ غَيْرُ دَعْوَى الآخَرِ، وَالْجَزْمُ حَاصِلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
ثم قال المصنف: (يَقَعُ عِنْدَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى) .
يعني: خبر التواتر إذا قلنا يحصل به العلم.
قال: (يَقَعُ عِنْدَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى) يعني: التواتر أو الخبر المتواتر هل يفيد بنفسه العلم أو بفعل الله تعالى؟ هذه -والله أعلم- مردها إلى مسألة السبب والمسبَّب.
إن كان المراد أنه لا تأثير له البتة، ولم يجعل الله عز وجل فيه شيئًا مما خلقه فيه فلا. يُنفى هذا.
يعني: النفي يُنفى، بل هو ثابت؛ لأنه من شأن السبب والمسبَّب، فجعله الله عز وجل سببًا لإفادة العلم القطعي، وإن كان المراد أنه لا يدل البتة .. مطلقًا، وإنما يحصل العلم عنده كالانكسار عند الكسر. وهذه المسألة عقدية.
قال هنا: {ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لاَ يُوَلِّدُ الْعِلْمَ، بَلْ يَقَعُ الْعِلْمُ عِنْدَهُ أَيْ: عِنْدَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى} إن كان المراد به المحض، الأمر فيه نظر، إن كان المراد فيه أن الله عز وجل يجعل فيه تأثيرًا في النفس، فهو كذلك، هذا الذي ينبغي اعتماده.
قال: (يَقَعُ عِنْدَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى) .
عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَخَالَفَ قَوْمٌ.
لَنَا عَلَى الأَوَّلِ أنه بفعل الله تعالى.
{مَا ثَبَتَ مِنْ الأُصُولِ أَنَّهُ لاَ مُوجِدَ إِلاَّ اللَّهُ} دليل صحيح؟ دليل صحيح: لا موجد إلا الله، لكن الله عز وجل قد يخلق مباشرة، وقد يخلق بواسطة.
ولذلك المولود، هذا يخلقه الله عز وجل في الرحم لكن بواسطة المني، حينئذٍ نقول: خُلق بواسطة، هل المني والجماع سبب؟ نقول: نعم سبب. له تأثير؟ نعم، تأثير بفعل الله تعالى، جعل فيه خاصية، كما جعل في الخبز الشِّبَع، وفي الماء الرِّي .. ونحو ذلك.