إذًا: الروايات موجودة عن الإمام أحمد، لكن هل يُعمل به أو لا؟ إجماع بين السلف بأن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقطع النظر كونه يفيد العلم أو الظن أنه يجب العمل به، ومن حكى خلافًا فقد أخطأ وغلط في هذا الباب، وإنما الخلاف بين السلف في كونه هل يفيد العلم أو الظن؟ هذه مسألة خلافية.
ولا يُبدَّع فيها المخالف. سواء قال: خبر الواحد لا يفيد إلا الظن. ننظر بعده: إن فرَّق بين إفادة الظن يُقبل في الفروع والعمليات ولا يُقبل في العقائد وأصول الدين، نقول: هذه بدعة ليست من قبيل فعل السلف ولا من وافقهم.
فحينئذٍ النظر في المسألة من جهتين: هل يفيد العلم أو الظن؟ مسألة خلافية.
رجّحت الظن، رجّحت إلى آخره .. لكن تبقى النتيجة: هل يُعمل به أو لا؟
إن فرَّق فهي بدعة وضلالة، ما دام أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الخبر حينئذٍ وجب العمل به، ولا خلاف بين السلف في ذلك، بل هو إجماع نقله غير واحد من السلف. فالمسألة من جهتين.
قال هنا: هذا هو الصحيح عن أحمد لاحْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَنَحْوِهِمَا، وأنه يعمل به. ولا شك في ذلك، ما دام أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب العمل به، لكن قال: ولا يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. يعني: لا يقطع بهذا، وإنما يظن ظنًا.
وأطلق ابن عبد البر وجماعة أنه قول جمهور أهل الفقه والأثر والنظر. وفيه نظر هذا، أن هذا القول بأنه يفيد الظن مطلقًا أنه قول جمهور أهل الحديث لا.
وهذا على ما دون عدد رواة المستفيض لقرب احتمال السهو والخطأ على عددهم القليل. هذه راوية.
وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من المحدثين: أنه يفيد العلم. يعني: خبر الآحاد يفيد العلم مطلقًا، دون تفصيل بين مستفيض ومشهور وغيره، بل حتى الغريب قد يفيد العلم.
قال في رواية حنبل: أخبار الرؤية حقٌ نقطع على العلم بها.
لكن أخبار الرؤية الظاهر أنها متواترة وليست بآحاد، وهذا المثال يحتاج إلى تمحيص.
وقال المروزي: هنا إنسان يقول -يعني: يقول الإمام أحمد-: الخبر يوجب عملًا ولا يوجب علمًا فعابَهُ. يعني: لم يرَ هذا القول. وقال: لا أدري ما هذا!
يعني: هذا شيءٌ جديد .. كأنه شيءٌ محدث.
قال القاضي: ذهب إلى هذا جماعة من الأصحاب أنه يفيد العلم. وذكره في مقدمة"المجرد"عن أصحابنا، وقاله كثير من أهل الأثر.
كذلك التحبير حكى القولين، في الماضي قال: وأطلق ابن عبد البر وجماعة أنه قول جمهور أهل الفقه والأثر والنظر على أنه يفيد الظن.
وأطلق كذلك المرداوي قال: وقاله كثير من أهل الأثر والظاهرية أنه يفيد العلم.
وحمل بعضهم كلام أحمد على أنه أراد الخبر المشهور.
حتى الخبر المشهور نقول: هذا آحاد. والتفرقة إنما هي اصطلاحية فحسب، ما دام أن المشهور لم يبلغ حد التواتر وما عدى المشهور دون التواتر لم يبلغ حد التواتر، حينئذٍ يفيد العلم، وهذا التأويل فيه بعد عن الإمام أحمد.
وهو الذي صحت له أسانيد متعددة سالمة عن الضعف والتعليل؛ فإنه يفيد العلم النظري لكنه لا بالنسبة لكل أحد، بل إلى الحافظ المتبحِّر.