(وَيُفِيدُ عِلْمًا نَظَرِيًّا) يعني: وَيُفِيدُ الْحَدِيثُ الْمُسْتَفِيضُ الْمَشْهُورُ عِلْمًا نَظَرِيًّا.
نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ فُورَكٍ.
وَقِيلَ: يُفِيدُ الْقَطْعَ.
لعل مراده بالقطع هنا الضروري وليس النظري، وإلا بعضهم يعبّر عن العلم باليقين، ويعبّر عن اليقين بالقطع، لكن هذا القطع قد يكون نتيجة لنظر وقد لا يكون كذلك.
إذًا على كلامه: يُفِيدُ عِلْمًا نَظَرِيًّا.
(وَغَيْرُهُ) أي: غَيْرُ الْمُسْتَفِيضِ المشهورِ مِنْ الأَحَادِيثِ .. أحاديث الآحاد وهو خبر الواحد العدل (يُفِيدُ الظَّنَّ فَقَطْ) يعني: دون غيره، لا يفيد إلا الظن.
ما الفرق بين القولين؟
الأول -"ما أفاد العلم": تقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وإذا قيل: يفيد الظن لا تقطع وإنما هو راجح؛ لأن الخبر -كما مر معنا ابتداء- أن الخبر منه ما يحتمل الصدق والكذب، حينئذٍ يحتمل الصدق والكذب باعتبار الناقل هنا، ومنه خبر الواحد.
حينئذٍ إذا قال الراوي: قال صلى الله عليه وسلم. يحتمل الصدق وهو الراجح، مع احتمال المرجوح وهو الكذب.
وهذا الذي ينبني على مسألة: خبر الواحد هل يفيد العلم أو الظن؟
إن أفاد العلم قطَعتَ بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم بهذا الكلام، وإن لم يفد العلم بل أفاد الظن حينئذٍ يجوز، لكن الراجح: هو قوله عليه الصلاة والسلام .. أنه قاله. ويحتمل أنه لم يقله.
فلو علَّق طلاقًا على ما أفاد العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وقع الطلاق، وإن علّقه على الثاني يأتي الخلاف فيه.
قال: (يُفِيدُ الظَّنَّ فَقَطْ) .
قال في شرح التحرير: هذا هو الصحيح عن الإمام أحمد وأكثر أصحابه، والأكثر من العلماء أيضًا غيرُهم. يعني: غير أصحاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه يفيد الظن فقط، والمشهور المستفيض يفيد العلم النظري.
لماذا يفيد الظن؟ ما العلة؟
قال: {لاحْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَنَحْوِهِمَا} .
العدل مر معنا أنه يحتمل الصدق والكذب، لكن العدل باعتبار خبره هل هو معلوم صدقه أو كذبه أو راجح؟ راجح. إذًا: يحتمل أنه قد أخطأ وسها وغلط ووهم، وحينئذٍ إذا كان الأمر كذلك مع الاحتمال، الاحتمال يرفع القطع بالصدق، فإذا روى العدل الواحد خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عمن هو دون الصحابي عن الصحابي، حينئذٍ الغلط وارد، وإذا كان كذلك ارتفع القطع بصدقه، فحينئذٍ لا يفيد إلا الظن. هذه حجتهم {لاحْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَنَحْوِهِمَا} .
نص عليه الإمام أحمد في رواية الأثرم، وأنه يعمل به ولا يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. هذا الذي ينبني عليه.
أولًا: لا نقطع بأنه ثابت.
ثانيًا: العمل به مسألة أخرى غير إفادة الظن.
ولذلك يخلط البعض وقد وقع ذلك حتى من بعض أهل العلم: أن الخلاف بين السلف في مسألة إفادة الظن .. الخبر الواحد الخلاف واردٌ فيه: هل يفيد العلم أو الظن؟ خلافٌ قديم.
ولذلك قال بأن مذهب الإمام أحمد أنه يفيد الظن مطلقًا.