فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 1890

{إِذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِشَيْءٍ بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ ظَنًّا لا قَطْعًا فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ؛ لِتَطَرُّقِ الاحْتِمَالِ} يحتمل هنا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم.

يحتمل أولًا: {بِعَدَمِ سَمَاعِهِ} لم يسمعه عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أنه لم يلقِ باله عليه الصلاة والسلام، {أَوْ أَنَّهُ مَا فَهِمَهُ} هذا يُبعد ويُلغى.

{أَوْ أَخَّرَهُ لأَمْرٍ يَعْلَمُهُ، أَوْ بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ وَنَحْوِهِ} يعني: ورد الاحتمال، وإذا ورد الاحتمال حينئذٍ لا يُعطى صفة القطع، وإنما يكون ظنًا.

وقيل: بل يدل على صدقه قطعًا لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُقِرُّ عَلَى الْبَاطِلِ.

وَقِيلَ: إنْ كَانَ الأَمْرُ دِينِيًّا دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ؛ لأَنَّهُ بُعِثَ شَارِعًا لِلأَحْكَامِ، فَلا يَسْكُتُ عَمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، بِخِلافِ الدُّنْيَوِيِّ. فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبْعَثْ لِبَيَانِ الدُّنْيَوِيَّاتِ قاله في المحصول. والمسألة محتملة والله أعلم: أنه قد يدل على الظن أو الصدق، يحتاج إلى مرجِّح خارج ولم يظهر لي فيه شيء.

قال: {الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِشَيْءٍ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَسَكَتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ} .

هؤلاء ليسوا معصومين، يعني: المسألة الثانية ليست كالمسألة السابقة، المسألة السابقة في النبي صلى الله عليه وسلم، هذه المسألة عدد كثير، لكن هل بلغوا عدد التواتر أم لا؟ لو بلغوا عدد التواتر لا يُعطى صفة التواتر؛ لأن التواتر وما دل عليه من حيث القطع أو إفادة العلم إنما هو بشروطٍ معتبرة، هذه غير موجودة هنا، لم ينته منتهاهم إلى الحس .. إلى آخر ما ذُكر.

قال هنا: {إذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِشَيْءٍ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَسَكَتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ ظَنًّا لاَ قَطْعًا} . كالمسألة السابقة.

{اخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ؛ إذْ رُبَّمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ حَالُ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ} لم يعرفوه، أو علمه البعض دون البعض الآخر.

قال هنا: وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَبْعُدُ خَفَاؤُهُ لا يُفِيدُ الْقَطْعَ، وهو ظاهر، وَقَدَّمَه ابْنُ مُفْلِحٍ وَنَصَرَهُ.

وَقِيلَ: إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا لَكَذَّبُوهُ، وَلاَ دَاعِيَ إلَى السُّكُوتِ عُلِمَ صِدْقُهُ، قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ.

وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ إلاَّ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ. وَالْعَادَةُ لا تُحِيلُ سُكُوتَهُمَا، ثُمَّ يُحْتَمَلُ مَانِعٌ.

على كلٍ: الظاهر أنه في المسألة الثانية لا يفيد إلا الظن؛ لأن إقرارهم ليس بحجة، ثم قد لا يفهمون، أو أخطئوا، أو فهم البعض دون البعض .. فالاحتمال وارد، لكن ليس هو الشأن كما هو الشأن في النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو أقر شيئًا وكان باطلًا لجاء الوحي ببيان ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت