فهرس الكتاب

الصفحة 810 من 1890

يعني: إذا خالف أبو هريرة رواية لحديث رواه هو. قد يكون ترجح عنده رواية أخرى أو حديث آخر على ما رواه هو، حينئذٍ صارت المسألة اجتهادية فينظر فيها، فقد يصيب وقد لا يصيب.

{وَلِذَلِكَ لَمْ يُوجِبُوا} -الأحناف- {التَّسْبِيعَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ لِمُخَالَفَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِرِوَايَتِهِ} مع أنه صح عنه أنه أفتى بالسبع.

{وَلأَنَّ مُخَالَفَةَ الْقِيَاسِ تَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِ كَذِبِهِ} يعني الخبر. وهذا باطل؛ لأن القياس لا يصار إليه إلا عند عدم النص، هذا الذي ينبغي التعويل عليه.

وَلِهَذَا رَدُّوا خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ لِمُخَالَفَتِهِ لِقِيَاسِ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ.

وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ عَلَى قَبُولِهِ والجمهور هنا يعني: باعتبار المخالف. هذا ما ذكرناه سابقًا أن الخلاف قد يُنظر إليه باعتبار السلف -الصحابة-، فحينئذٍ لك أن تنفي الخلاف، إذا لم يُنقل عن الصحابة قول مخالف لما اتفقوا عليه أو لما كان مشهورًا عندهم لك أن تحكي الإجماع وتقول: لا خلاف.

لكن جرت عادة أهل العلم المتأخرين أنه لو لم يُنقل القول عن الصحابة وكان ظاهره إجماع -على ما تقرر في الإجماع السكوتي- أنهم يعتبرون قول المخالف، يقولون: المسألة فيها خلاف والأكثرون على كذا، فحينئذٍ يُنظر فيها من جهة أصل الخلاف.

إن كان لا يُعتبر خلاف غير الصحابة فالأصل عدم حكاية خلاف من خالف الصحابة، هذا الأصل فيه.

كتأصيل علمي ينبغي التعويل عليه العمدة هم الصحابة، فما اختلفوا فيه فحينئذٍ ساغ الخلاف لمن بعدهم، ولو اتفقوا على أحد القولين لا يصير إجماعًا على الصحيح.

وما لم يختلفوا فيه وحينئذٍ لا يجوز إحداث قول آخر بعده؛ لما تقرر معنا أنه يلزم منه: اتهامهم بتضييع الحق والغفلة، هذا التأصيل هو الذي ينبغي اعتماده، لكنك حينئذٍ تُفاجأ بأن أهل العلم على غير ذلك، فيحكون خلافًا ويرون أنه الصواب أحيانًا ولم يُنقل عن صحابيٍ حرفٌ واحد في ذلك، بل نُقل على خلاف ذلك، وكم من مسائل مبناها على قول المتأخرين.

هنا يقول: {وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ} أين الجمهور؟ إذا كان الصحابة اتفقوا على قبول خبر الواحد، إذًا: هو إجماع.

حينئذٍ إذا لم يُنقل دليل فنبحث عن أدلة لتوافق هذا القول ولا إشكال فيه، كما مر معنا في الإجماع.

{وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ عَلَى قَبُولِهِ بِأَنَّهُ قَدْ كَثُرَ جِدًّا قَبُولُهُ. وَالْعَمَلُ بِهِ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَمَلًا شَائِعًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ} وهذا هو الإجماع السكوتي.

{يَحْصُلُ بِهِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ عَادَةً قَطْعًا} .

انظر! هذا تعارض الآن: {اسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ} ثم يقول: {يَحْصُلُ بِهِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ عَادَةً قَطْعًا} .

إذًا فيه إجماع عن الصحابة، فكيف يُعبَّر بالجمهور؟ إنما راعى الجمهور بناء على الخلاف المتأخر، وهنا يأتي الخلل في تصوير المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت