فهرس الكتاب

الصفحة 812 من 1890

إذًا: {تَحَوَّلَ أَهْلِ قُبَاءَ إلَى الْقِبْلَةِ وَهُمْ فِي الصَّلاةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ} مع أنهم إنما استقبلوا القبلة بخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو قطعي، فتركوا القطعي لما هو ظن أو علم، على الخلاف. فحينئذٍ نقول: هذا عملٌ بخبر الواحد.

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَمَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْسًا -يعني: جوازها- {حَتَّى سَمِعْت رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فَتَرَكْتُهَا مِنْ أَجْلِهِ} يعني: من أجل هذا الأثر المنقول، وهو واحد.

{وَلِلشَّافِعِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما كُنَّا نُخَابِرُ فَلا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا فَزَعَمَ رَافِعٌ} -يعني: قال- أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ، فَتَرَكْنَاهُ مِنْ أَجْلِهِ.

وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَرَى أَنْ لا تَصْدُرَ الْحَائِضُ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ. يعني: طواف الوداع، هذا اجتهادًا منه.

{فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَلْ فُلانَةَ الأَنْصَارِيَّةَ، هَلْ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ؟ فَأَخْبَرَتْهُ. فَرَجَعَ زَيْدٌ وَهُوَ يَضْحَكُ} .

إذًا: امرأة قُبل خبره هنا، وكان مخالفًا لما اجتهد عليه زيد.

{فَقَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَاك إلاَّ صَدَقْت رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ} .

أن الصحابة اعتمدوا ذلك دون استفصال، ودون سؤال.

وهذه الأخبار تدل على أنهم لم يعتبروا إجماع أهل المدينة، لم يردوا النص لإجماع أهل المدينة، ولم يفصِّلوا هذا الخبر مما تعم به البلوى، ولذلك المخابرة هذه تعم بها البلوى ولم يفصِّلوا في ذلك، فدل على العموم.

حينئذٍ المخصِّص والمقيِّد يحتاج إلى نص، وإذا لم يكن نص رجعنا إلى الأصل.

قال هنا: {لاَ يُقَالُ: إنَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ} .

يعني: كل واحدٍ من هذه هو خبر آحاد، ونحن نريد أن نثبت أن خبر الآحاد يُعمل به. إذًا: خبر الآحاد دليلٌ على العمل بخبر الآحاد، فيلزم الدور، نقول: لا.

هذه النصوص السابقة هي متواترة وليست آحاد، كيف متواترة؟ لأنها دلت على قدر مشترك كلي بين جميع هذه النصوص، وهو أنه يُقبل خبر الواحد دون استثناء البتة. فحينئذٍ لا يرد ما ذكره بعضهم.

بَلْ هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ كَمَا سَبَقَ فِي أَخْبَارِ الإِجْمَاعِ.

وَأَيْضًا: تَوَاتَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ كَانَ يَبْعَثُ الآحَادَ إِلَى النَّوَاحِي وهذا كذلك .. تضُمُّه إلى ما سبق {لِتَبْلِيغِ الأَحْكَامِ، مَعَ الْعِلْمِ بِتَكْلِيفِ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ الْعَمَلَ بِذَلِكَ} .

يعلم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك بعث معاذًا إلى اليمن يحمل التوحيد .. أعظم ما يؤمر به. إذًا: وجب العمل به دون تفصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت