يعني: المراد هنا باشتراط الضبط هو الغلبة، وليس المراد أن يكون مطردًا في كل حديث حديث؛ لأن هذا قد يتعذر، وإنما المراد الغلبة .. أن يكون في غالب أحواله ضابطًا.
ولذلك قيل: يُعرف ضبط الراوي باعتبار ما يرويه بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان.
يعني: يُنظر في روايته ويقاس برواية غيره من الأئمة الثقات، فإن وجد موافقًا لهم في الغالب ولو من حيث المعنى فهو ضابط، وإلا فلا. والمخالفة النادرة أو القرينة هذه لا تضر، وإنما الحكم بالغلبة.
والضبط عندهم نوعان: ضبط صدر وضبط كتاب، فمن لم يكن حالة السماع من يضبط ليؤدي على الوجه الأكمل لم تحصل الثقة بقوله .. إذا كان في وقت السماع لا يضبط، فحينئذٍ لا تحصل الثقة بقوله.
وأما الكتاب المراد به: أن يكون عنده الكتاب مصحَّحًا على الأئمة.
قال هنا: وَالشَّرْطُ غَلَبَةُ ضَبْطِهِ وَذِكْرِهِ عَلَى سَهْوِهِ لِحُصُولِ الظَّنِّ إِذًا. ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
وَفِي الْوَاضِحِ لاِبْنِ عَقِيلٍ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ لَهُ: مَتَى تَتْرُكُ حَدِيثَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ.
وأما وقوع الخطأ مرة أو مرتين ولم يكن غالبًا عليه، هذا لا يؤثر في كونه ثقة؛ لأنه لا عصمة لأحد البتة، والحفظ والنسيان ووقوع الخطأ والسهو. هذا لا ينفك عنه إنسان.
فحينئذٍ يستوي الأئمة الكبار والصغار في ذلك، لكن النظر هنا إلى الغلبة والكثرة.
قال: {وَلأَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ تَرَكُوا رِوَايَةَ كَثِيرٍ مِمَّنْ ضَعُفَ ضَبْطُهُ مِمَّنْ سَمِعَ كَثِيرًا ضَابِطًا} وفي التحبير: سمع كبيرًا ضابطًا.
فَإِنْ جُهِلَ حينئذٍ حَالُهُ .. لا يُدرى، وهذا سينص عليه فيما يأتي.
{فإِنْ جُهِلَ حَالُهُ} من حيث الضبط لا يُدرى هل هو ضابط أو لا؟
ذكر ابن قدامة في الروضة: أنها لا تُقبل روايته؛ لأن الأصل عدم الضبط، وحينئذٍ إذا جُهل حاله لا يُقبل حتى يعلم؛ لأنه وصف وجودي. فلا بد أن نعلم هل هو ضابط أم لا.
فَإِنْ جُهِلَ حَالُهُ فلا تُقبل روايته البتة؛ لأنه لا غالب لحال الرواة.
قال: (وَعَدَالَةٌ) يعني: الشرط الرابع مما يعتبر في قبول رواية الراوي: أن يكون عدلًا.
وهذا محل وفاق.
{وَمِنْهَا عَدَالَةٌ إِجْمَاعًا} .
قال: (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) ولكلٍ منهما احتراز يأتي فيما يأتي.
{عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِ} .
قال في شرح التحرير: قلت وهذا المذهب وعليه أكثر العلماء. اشتراط العدالة في قبول رواية الراوي.
{وَعِنْدَ الْقَاضِي وَابْنِ الْبَنَّاءِ، وَغَيْرِهِمَا: تَكْفِي الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا لِلْمَشَقَّةِ. كَمَا قُلْنَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَصَاحِبُ رَوْضَةِ الْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا} .
إذًا: المعتمد في المذهب هو العدالة ظاهرًا وباطنًا. يعني: لا يكون في الظاهر عدلًا وفي الباطن عنده فساد في المعتقد كالمبتدع وغيره.
ثم قال: (وَمَنْ رَوَى بَالِغًا مُسْلِمًا عَدْلًا) يعني: تحقق فيه الشرط.