(وَقَدْ تَحَمَّلَ صَغِيرًا ضَابِطًا، أَوْ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا قُبِلَ) هذا احتراز .. على ما ذكرناه سابقًا.
أن المراد به في الأداء. يعني: اشتراط الإسلام في أداء ما تحمله، ثم قد يكون تحمله وهو مسلمٌ أو تحمله وهو كافر.
يعني: الشروط السابقة شروطٌ في الأداء لا في التحمل .. ما مضى شروط في الأداء لا في التحمل.
ولذلك قال: (وَمَنْ رَوَى) يعني: شخصٌ روى حال كونه (بَالِغًا مُسْلِمًا عَدْلًا) تحققت فيه الشروط.
(وَقَدْ تَحَمَّلَ) تحمل يعني: حفظ أو كتب حال كونه (صَغِيرًا) لم يبلغ، (ضَابِطًا) هذا قُبل عند الإمام أحمد وأكثر العلماء؛ لإجماع الصحابة ومن بعدهم على قبول مثل ابن عباس وابن الزبير وأشباه هذين، ولإسماع الصغير. يعني: جرت عادة أهل الحديث إسماع الصغير يعني: إحضاره في مجلس الحديث.
والفائدة من ذلك: أن يتحمل ولو صبيًا ثم يؤدي بالغًا، وهذا محل وفاق في الجملة.
قال: (أَوْ كَافِرًا) يعني: أو تحمّل حال كونه كافرًا بشرط الضبط.
أَوْ حال كونهِ (فَاسِقًا) بشرط الضبط (قُبِلَ) {مَا رَوَاهُ؛ لاِجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ فِيهِ حَالَ رِوَايَتِهِ} .
ثم قال: (وَهِيَ) {أَيْ الْعَدَالَةُ} لها معنيان: معنى لغوي ومعنى اصطلاحي.
أما العدالة في اللغة فهي القصد في الأمر، أو {التَّوَسُّطُ فِي الأَمْرِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلا نُقْصَانٍ} يعني: من غير إفراط ولا تفريط في طرفي الزيادة والنقصان، التوسط في الأمور هذا يسمى عدلًا، والعدل: هو القصد في الأمور، ضده الجور، الزيادة أو التفريط وهو النقصان.
وهي في اصطلاح أهل الشرع: الاستقامة في الدين والسيرة، هذا معنى العدالة.
أن يكون مستقيمًا في دينه. يعني: لم يرتكب كبيرة، ولم يُصِر على صغيرة، ومجتنبًا لخوارم المروءة، ولذلك قال: والسيرة .. الاستقامة في الدين والسيرة.
ولكن عرفها المصنف هنا بما شاع من كونها ملكة.
فقال: هي (صِفَةٌ) وبعضهم يعبِّر بأنها ملكة.
(صِفَةٌ) {أَيْ كَيْفِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، وَتُسَمَّى قَبْلَ رُسُوخِهَا حَالًا} .
قال في شرح التحرير: المراد بالصفة هي الملكة؛ لأنهم فسروها بها، فالملكة هي الصفة الراسخة في النفس.
يعني: العدالة ليست مما يأتي ويذهب .. من الصفات التي تقبل التحول، فيكون في الصباح عدلًا وفي المساء ليس بعدلٍ لا، تكون صفة راسخة ثابتة.
ولذلك يعبّر عنها في الشرع بالاستقامة (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) ) [فصلت:30] فحينئذٍ نقول: استقام فهو مستقيمٌ.
إذًا: (هِيَ صِفَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ) .
قال: (رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ) نفس من؟ {أَيْ: نَفْسِ الْمُتَّصِفِ بِهَا} .
تحمل صاحبها يعني: تحثه على ملازمة التقوى، التقوى معلوم أنها: امتثال المأمور واجتناب المحظور.
وكذلك المروءة، قيل: المروءة: غلبةُ العقل على الشهوة. وقيل: استعمال ما يجمِّل العبد ويزينه وترك ما يدنسه ويَشينه.
يعني: ما يقدح في عقله، وقيل: استعمال كل خلقٍ حسن واجتناب كل خلق قبيح، فهي حينئذٍ تجنب الدناءة والرذائل من الأقوال والأخلاق والأعمال، وهذه -المروءة- يرجع ضبطها إلى العرف. يعني: تختلف باختلاف الأعراف والأزمان والأشخاص.