فلا تتعلق بمجرد الشرع، بعضها مأخوذ من الشرع، لكن في الجملة هي متعلقة بالأعراف.
والأمور العرفية هذه لا شك أنها لا تنضبط من حيث الشيوع، بل هي تختلف لاختلاف الأشخاص والبلدان والأزمان، ولذلك قد يُعد في بلد ما شيءٌ ما من قولٍ أو فعلٍ يُعتبر قادحًا في شخص، وقد لا يُعتبر قادحًا في شخص آخر، في كشف الرأس مثلًا، هذا يُعتبر في جهات قادحًا، وحينئذٍ يكون نقصًا في مروءة الرجل. وفي بعض المواضع لا يُعتبر قادحًا.
هذا مما يتعلق بما يختلف باعتبار البلدان.
وكذلك في الأزمان، قد يشتهر في زمن ما في بلد واحد ما لا يشتهر في زمنٍ آخر.
إذًا: (صِفَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ) تحمل صاحبها يعني: تحثه وتدفعه.
{عَلَى مُلازَمَةِ التَّقْوَى} وليست التقوى فحسب، وإنما ملازمة التقوى. ولذلك قلنا: (صِفَةٌ رَاسِخَةٌ) يعني: لا تكون في وقت دون وقت، بل هي مصاحبة للمتصف بها.
{مُلازَمَةِ التَّقْوَى} من فعل المأمور واجتناب المحظور.
{وَالْمُرُوءَةِ} وهو ترك ما يشين.
وكذلك {تَحْمِلُهُ أَيْضًا} يعني: الصفة السابقة .. الراسخة في النفس {عَلَى تَرْكِ الْكَبَائِرِ} .
هذا من عطف الخاص على العام، أين العام؟ التقوى.
قال: {وَتَحْمِلُهُ أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْكَبَائِرِ} وهي داخلة في التقوى، وإنما ذكرها ليذكر مسألة الغيبة والنميمة، ولذلك قال: (وَمِنْهَا) {غِيبَةٌ وَنَمِيمَةٌ} .
قال: (تَرْكِ الْكَبَائِرِ وَمِنْهَا) {أَيْ مِنْ الْكَبَائِرِ: غِيبَةٌ وَنَمِيمَةٌ} .
على الصحيح: أن الغيبة من الكبائر، وفيه خلاف، والنميمة كذلك من الكبائر وفيها خلاف.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: اُخْتُلِفَ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ. هَلْ هُمَا مِنْ الصَّغَائِرِ أَوْ مِنْ الْكَبَائِرِ؟
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا مِنْ الْكَبَائِرِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي فُرُوعِهِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لاَ خِلافَ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنْ الْكَبَائِرِ.
لا خلاف معتبر، وإلا فيه خلاف.
{وَقِيلَ: إنَّهُمَا مِنْ الصَّغَائِرِ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ وَالْغُنْيَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ} .
قال: (وَالرَّذَائِلِ) يعني: تحملهُ هذه الصفة الراسخة والملكة عَلَى تجنب الرَّذَائِلِ: جمع رذيلة، والرَّذِل: الشيء المطروح. والرذائل يعني: المباحة، ولذلك قال: تحمله على ترك الكبائر وكذلك الرذائل يعني: الشيء المباح الذي لا ينبغي أن يقع قولًا كان أو فعلًا.
ولذلك قال: {كَالأَكْلِ فِي السُّوقِ} أو في الطرقات {وَنَحْوِ ذَلِكَ} هذا يعتبر من الرذائل. وهو راجعٌ إلى العرف كذلك.
قال: {فَلا يَأْتِي بِكَبِيرَةٍ لِلآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الْقَاذِفِ} وسيأتي بحثها.
وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَيُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِلا بِدْعَةٍ مُغَلَّظَةٍ يعني: يُشترط في تحقق العدالة؛ لأنا قلنا: العدالة تتعلق بالظاهر والباطن، ما يتعلق بالباطن هو الاعتقاد، وهنا قال: ما يقابل الباطن فلا يُعتبر.