(لاَ تَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَالإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ) ما صدق عليه أنه إنسان امتنع أن يصدق عليه أنه فرس، والعكس بالعكس، ما صدق عليه أنه فرس امتنع أن يصدق عليه أنه إنسان، لكلٍّ منهما حقيقة تنفك عن الآخر، هذا يقال ماذا؟ متباينان.
(لاَ تَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَالإنْسَانِ وَالْفَرَسِ) {فَمَا هُوَ إنْسَانٌ لَيْسَ بِفَرَسٍ} قطعًا، {وَمَا هُوَ فَرَسٌ فَلَيْسَ بِإِنْسَانٍ, فَيَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ عَدَمُ صِدْقِ الآخَرِ} وهذا شأن المتباينين.
(أَوْ) النوع الثالث. (إِحْدَاهُمَا أَعَمُّ مُطْلَقًا, وَالأخْرَى أَخَصُّ مُطْلَقًا, تُوجَدُ إحْدَاهُمَا مَعَ وُجُودِ كُلِّ أَفْرَادِ الأخْرَى) وهذا المراد به العموم والخصوص الوجهي كالحيوان والإنسان، كل إنسان حيوان ولا عكس، هذا العموم والخصوص المطلق.
(إِحْدَاهُمَا أَعَمُّ مُطْلَقًا) وهو الحيوان. (وَالأُخْرَى أَخَصُّ مُطْلَقًا) وهو الإنسان.
{فَالْحَيَوَانُ أَعَمُّ مُطْلَقًا لِصِدْقِهِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الإنْسَانِ, فَلاَ يُوجَدُ إنْسَانٌ بِدُونِ حَيَوَانِيَّةٍ الْبَتَّةَ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الإنْسَانِ -الَّذِي هُوَ أَخَصُّ- وُجُودُ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ} فإذا ثبت الإنسان، يعني: قلنا هذا إنسان (زيد) ثبت أنه حيوان، لماذا؟ لأن إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم، وهذه من القواعد المهمة التي يذكرها أرباب الفنون: (إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم) ، فإذا قلت: هذا إنسان لزم منه إثبات الأعم وهو كونه حيوانًا.
قال: (بِلاَ عَكْسٍ) وهو إذا نُفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فتقول: هذا ليس بإنسان، لا يلزم ألا يكون حيوانًا، لأنه قد يكون فرسًا، أليس كذلك؟ قد يكون فرسًا، فنفيُ الأخص لا يستلزم نفي الأعم، والأول فيما سبق (إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم) ، و (نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم) .
قال: (بِلاَ عَكْسٍ) ، {يَعْنِي: فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الإنْسَانِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ عَدَمُ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ; لأنَّ الْحَيَوَانَ قَدْ يَبْقَى مَوْجُودًا فِي الْفَرَسِ وَغَيْرِهِ} لكن هل يلزم من وجود الأعم وجود الأخص؟ الجواب: لا، إن قلت هذا حيوان نحتاج إلى استفسار، ما المراد؟ يحتمل أنه إنسان ويحتمل أنه فرس وغيره.
قال: (أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، تُوجَدُ كُلُّ مَعَ الأخْرَى وَبِدُونِهَا) وهذا ما يسمى بالعموم والخصوص الوجهي، ما سبق العموم والخصوص المطلق نحتاج فيه إلى مقدمتين، إلى مثالين، إلى صورتين، وهو صورة الاجتماع وصورة الافتراق، فمثلنا فيما سبق بالحيوان والإنسان، الإنسان اجتمع فيه الأمران: الأخص والأعم؛ لأن الأعم يوجد في ضمن الأخص، ونحتاج إلى صورة الافتراق وهي ماذا؟ الفرس، فهو حيوان وليس بإنسان، فانفرد الأعم عن الأخص.
العموم والخصوص الوجهي نحتاج إلى ثلاث مواد .. إلى ثلاث صور: صورة الاجتماع، وصورة افتراق الأعم عن الأخص، والعكس.