إذًا: قد لا يوصف في وقت طويل بأنه فاعلٌ للصغائر، بل متى ما صلى المغرب وتوضأ ومشى في ظاهر النصوص أنها تكفِّر عنه الصغائر، كذلك إذا فعل في العشاء، وكذلك .. إذًا: لا يخلو وقتٌ إلا ووُجد المكفِّر له. حينئذٍ هذا لا يقدح في العدالة.
إذًا: فإن قلنا إنها تكفَّر بذلك وهو الصحيح -دلت عليه ظواهر الكتاب والسنة- لم يقدح فعلها في العدالة ولا في الرواية؛ لأنها لا أثر لها.
وإن قلنا لا تكفَّر بذلك على قولٍ قدحت ومنعت الرواية عن صاحبها على الصحيح من المذهب.
إذًا: الخلاف مبني على مسألة: هل الصغائر تكفّر باجتناب الكبائر أو مصائب الدنيا أو لا؟ فمن قال تكفّر فحينئذٍ لا أثر للصغائر وإلا فأثّرت.
قال: وإن قلنا لا تُكفَّر بذلك قدحت ومنعت الرواية عن صاحبها على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر أصحابنا وغيرهم، ولأنه صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار.
يعني: الكبيرة تنتفي بكثرة الاستغفار، والاستغفار توبة.
والصغيرة كذلك إذا أصر عليها -أدمن عليها- صارت كبيرة.
قال: هذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. ولكنه ينبني على مسألة: قول الصحابي، هل هو حجة أم لا؟
إن قيل: قول الصحابي حجة، وإلا فلا. يعني: لا يُقبل قول ابن عباس بأن الصغيرة تكون بالإصرار كبيرة، ولذلك نازع الشوكاني في ذلك قال: الصغيرة لا تكون كبيرة مع الإصرار؛ لعدم دلالة النصوص مع كثرتها في الكتاب والسنة على أن الصغيرة صغيرة، فحينئذٍ الإصرار وعدمه لا يجعل الصغيرة كبيرة؛ لأن الشرع ميّز بين هذا وذاك، فحدَّ الصغيرة بما يقابل الكبيرة ورُتب على الكبيرة ما رُتب.
حينئذٍ هذا التفريق من ابن عباس يُعتبر اجتهادًا منه.
قال: قاله ابن مفلح. لكن ليس كل إصرار يكون مُخلًا.
يعني: على هذا الذي اعتمده المصنف بناء على أثر ابن عباس أن كل صغيرة يُنظر فيها، إن أصر عليها فليست بصغيرة بل هي كبيرة، لكن هل كل صغيرة تُخل بالعدالة؟ فصّل المصنف، قال: (إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ تَكَرُّرًا يُخِلُّ بِالثِّقَةِ بِصِدْقِهِ لَمْ تَقْدَحْ) هذا تابعٌ لما سبق.
قال: (وَالصَّغَائِرُ وَهُنَّ سَوَاءٌ حُكْمًا) يعني: مستوية في الحكم .. لا تباين بينها، ليس عندنا أصغر وأكبر في الصغائر.
قال: (إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ) هذه الصغائر (تَكَرُّرًا يُخِلُّ بِالثِّقَةِ بِصِدْقِهِ) {أَيْ صِدْقِ الرَّاوِي} (لَمْ تَقْدَحْ) {فِي صِحَّةِ رِوَايَتِهِ} .
مفهومه: إن تكرر تكررًا يخل بالثقة بصدقه قدحت في صحة راويته.
إذًا: الصغائر من حيث العدالة والقدح في صدق الراوي وقبول روايته فيها تفصيل. على ما ذكره المصنف.
(إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ تَكَرُّرًا يُخِلُّ بِالثِّقَةِ بِصِدْقِهِ) يعني: صار مدمنًا على الصغائر أو على صغيرة، فحينئذٍ قدحت في صحة الرواية وإلا فلا.
قال الشارح: وَعَلَى الأَصَحِّ فِي كَوْنِ الصَّغَائِرِ إنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ مِنْهُ تَكَرُّرًا يُخِلُّ الثِّقَةَ بِصِدْقِ الرَّاوِي لَمْ يُقْدَحْ فِي رِوَايَتِهِ.