(وَتَضْعِيفٍ) يعني: إذا ضعَّف حديثًا محدثٌ ما، فحينئذٍ لا يُقبل حتى يبين سبب التضعيف، لماذا ضعفت الحديث؟ أما مجردًا هكذا .. الحديث ضعيف وتأخذه دون نظر في السبب هذا يسمى تقليدًا، جائز لمن لم يكن قادرًا على النظر في الأسانيد ونحوها، لكن إذا أردنا الاحتجاج به فلا بد من معرفة السبب الذي من أجله ضعَّف هذا الحديث.
{ (وَ) شُرِطَ أَيْضًا ذِكْرُ سَبَبِ (تَضْعِيفٍ) } (تَضْعِيفٍ) هذا معطوف على قوله: (جَرْحٍ) .
{كَمَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ سَبَبِ جَرْحٍ} .
فما قيل في الجرح المطلق يقال في تضعيفه للخبر إذا أُطلق.
الجرح المطلق يعني إذا قال: فلان فاسق مثلًا، جرَّحه. ما ذكر السبب، هذا يسمى جرحًا مطلقًا، فلا يقبل حتى يبين السبب.
كذلك لو قال: الحديث ضعيف .. ضعَّف وأطلق، كذلك لا يقبل حتى يبين السبب.
فما قيل في الجرح المطلق يقال في تضعيفه للخبر إذا أُطلق وهذا مذهبنا .. معاشر الحنابلة.
{فَلاَ يَمْنَعُ قَبُولَ الْخَبَرِ قَوْلُ مُحَدِّثٍ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ} لا يمنع قبوله عند من نظر في السند فظهر أنه صحيح، حينئذٍ إذا رُد عليه بأن فلانًا ضعفه فيقال له: ما سبب التضعيف؟ أما مجرد أنه ضعَّفه لا يكون علة في الرد.
قال: {فَلاَ يَمْنَعُ قَبُولَ الْخَبَرِ} لا يكون علة في قبول الخبر، فحينئذٍ من ثبت عنده الحديث لا يُعل بتضعيف مجتهد من المجتهدين له، هذا مراد المصنف هنا. حتى يبين السبب.
{فَلاَ يَمْنَعُ قَبُولَ الْخَبَرِ قَوْلُ مُحَدِّثٍ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْزُوَهُ إِلَى مُسْتَنَدٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِيهِ} فيُنظر فيه، قد يكون موافقًا صوابًا وقد لا يكون كذلك.
لماذا؟
قال: {لأَنَّهُ قَدْ يُضَعِّفُهُ بِشَيْءٍ لَوْ ذَكَرَهُ لَمْ يَكُنْ قَادِحًا. هَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ} فلا يقبله {وَيَكُونُ الْخَبَرُ ضَعِيفًا عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ قَالُوا: لأَنَّ الْمُحَدِّثَ ثِقَةٌ وَقَدْ ضَعَّفَهُ} .
يعني: إذا قال: هذا حديث ضعيف قُبل عند كثير من الأحناف، وجُعل قادحًا في قبول الحديث. والصواب هو الأول.
قال: (وَلَا يَلْزَمُ تَوَقُّفٌ إِلَى تَبْيِينِ لاَ تَعْدِيلٍ وَتَصْحِيحٍ) .
قال: (وَلَا يَلْزَمُ تَوَقُّفٌ) .
يعني: {إِذَا لَمْ يَقْبَلْ الْجَرْحَ الْمُطْلَقَ، وَلاَ التَّضْعِيفَ الْمُطْلَقَ وَوُجِدَ} حينئذٍ وحصل {لاَ يَلْزَمُ تَوَقُّفٌ عَنْ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ إِلَى حِينِ تَبْيِينِ الْجَرْحِ، أَوْ التَّضْعِيفِ} .
يعني: من ثبت عنده صحة الخبر وبلغه أن بعض المحدثين ضعّف الحديث دون ذكر للسبب، لا يلزمه ذلك أن يتوقف الحديث وإنما يعمل به، بناء على ما ثبت عنده.
كذلك إذا عدَّل شخصًا ما وظهر له عدالته، وبلغه أن زيدًا من الناس أو من المجتهدين جرَّحه دون ذكر للسبب. لا يطعن ذلك في قبول الحديث، أو قبول ما يتعلق بالراوي العدل.
قال: (وَلَا يَلْزَمُ تَوَقُّفٌ إِلَى تَبْيِينِ) يعني: حتى يتبين لماذا جرَّحه، أو لماذا ضعفه، لا، وإنما تعمل بما ثبت عندك من حيث تعديل الراوي أو قبول الحديث.
قال: (وَلَا يَلْزَمُ تَوَقُّفٌ) .