فهرس الكتاب

الصفحة 847 من 1890

قال: وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ. فَإِنَّهُ كَانَ يَسْأَلُهُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ مِثْلِهِ. فَيَقُولُ: ثِقَةٌ: لا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ. كَمَا لا يُسْأَلُ مَثَلًا عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ وَالأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِمْ.

قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: هَذَا صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: الْخَطِيبُ، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَالِكٍ، وَشُعْبَةَ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ أئمة أعلام كبار لا يُسأل عنهم.

{وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الأَمْرِ. فَلا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ هَؤُلاءِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَمَّنْ خَفِيَ أَمْرُهُ عَنْ الطَّالِبِينَ} .

وهذا هو الحق، والمصنف هنا خالف هذه المسألة.

وقد سُئل أحمد عن إسحاق بن راهويه فقال: مثل إسحاق يسأل عنه؟! لا يسأل أحد عن مثل هؤلاء.

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَيُقَدَّمُ جَرْحٌ) يعني: مطلقًا .. أطلق المصنف قال: (يُقَدَّمُ جَرْحٌ) .

وجرحٌ هنا نائب فاعل، المقدِّم هم أهلُ العلم. يعني: حكم أهل العلم بتقديم الجرح مطلقًا، سواء كثُر الجارح أو قل أو ساوى، يقدم الجرح مطلقًا سواء كثر الجارح يعني: الجارحون أكثر من المعدلين،"أو قل"يعني: قل عدد الجارحين وعدد المعدلين أكثر، أو تساويا.

فـ {إذَا جَرَحَ رَاوِيًا وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ، وَعَدَّلَهُ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ} ما الذي يُقدَّم هنا؟ يُقدم الذي جرح.

{قُدِّمَ الْعَمَلُ بِجَرْحِهِ عَلَى الْعَمَلِ بِتَعْدِيلِهِ؛ لأَنَّ الْجَارِحَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْمُعَدِّلُ} .

بناء على الشرط السابق: أنه لا بد من اعتماد سببٍ يجرح به، وأما إذا كان يجرح دون سبب حينئذٍ لا بد من استفصال، وأما إذا بنينا على القاعدة السابقة: أنه شُرط ذكر سبب جرحٍ، فحينئذٍ لا يُقبل حتى يبين السبب، فإذا بينه حينئذٍ معه زيادة علم، فالذي عدَّله قد يكون بناءً على الأصل.

وحينئذٍ يكون ذاك مقدم .. الجارح، إلا في حالة واحدة: لو قال: رأيته يشرب الخمر في يوم كذا. قال: نعم رأيتُه وقد تاب بعد ذلك.

إذا نفى المعدِّل السبب الذي من أجله جرَّح الجارح، وإلا الأصل ما ذكره المصنف هنا: أن الجارح يقدَّم مطلقًا على المعدِّل.

ولذلك قال هنا: {لأَنَّ الْجَارِحَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْمُعَدِّلُ} إلا إذا بيّن المعدل أنه قد اطّلع على ذلك السبب، قال: رأيته يشرب الخمر. قال: نعم هذا في الشهر الماضي وقد تاب في هذا الشهر. حينئذٍ نقول: ثبتت العدالة.

وَهَذَا الصَّحِيحُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت