{وَحُكْمُ الْحَاكِمِ تَعْدِيلٌ اتِّفَاقًا} وهذه المرتبة قل من يذكرها من الأصوليون، هنا من فوائد النظر في العلمين باعتبار الفنين. ذكرها بعضهم نقلًا عن الأصوليين، لكن أصل البحث هنا في هذا الموضع -هذه الجزئية- وإلا أكثر ما ابتدأ العراقي، وكذلك السيوطي في ألفيته، وابن الصلاح .. إنما ذكروا القول الصريح فحسب، مع أن هذه متفق عليها. مع أنهم يختلفون فيما يقدَّم: هل هو ما كُرر بلفظ مرتين أو ما جاء بأفعل التفضيل أو غيره؟ ثَم خلاف في التقديم والتأخير في المراتب، لكن هذه المرتبة هي أعلى باتفاق.
قال: {وَحُكْمُ الْحَاكِمِ تَعْدِيلٌ اتِّفَاقًا أَطْلَقَهُ فِي الرَّوْضَةِ. وَمُرَادُهُ: مَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ حَاكِمٌ يَشْتَرِطُ الْعَدَالَةَ} لا مطلقًا {وَهُوَ تَعْدِيلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ كَانَ الْحَاكِمُ فَاسِقًا لِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ لَيْسَ عَدْلًا عِنْدَهُ} .
قال في التحرير: وهو أقوى من القولي بالسبب، يعني: يذكر القول تعديلًا: ثقة لأنه كذا، فذكر السبب كما يذكر في الجرح.
يعني: أن حكم مشترط العدالة بها أقوى من التعديل بالقول الذي ذُكر معه سببه؛ لأن ذلك قول مجرد، والحكم بروايته فعلٌ تضمن القول أو استلزمه؛ إذ تعديله القولي تقديرًا من لوازم الحكم بروايته. وهو كذلك.
وإلا كان هذا الحاكم حاكمًا بالباطل.
ومحل الخلاف هنا: مع ذكر السبب في القولي، أما مع عدم ذكره، فالثاني أقوى للاتفاق عليه.
يعني: القول المذكور معه سببه قال: أنه مقدمٌ على ما سبق، لكن إطلاقات أهل العلم في كون الأول أقوى هذا جاء مطلقًا، ولذلك ترك هذه الجملة الفتوحي في شرح الكوكب المنير هنا.
قال: (فَقَوْلٌ) هذه الفاء تدل على الترتيب. يعني: المرتبة الأولى ما سبق.
والمرتبة هذه قال: (فَقَوْلٌ) {أَيْ: فَيَلِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ -السابقة- التَّعْدِيلُ بِالْقَوْلِ} يعني: اللفظ الدال على معنى.
(وَأَعْلاهُ) {أَيْ مِنْ أَعْلَى التَّعْدِيلِ بِالْقَوْلِ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ هُوَ} (عَدْلٌ رِضَا، مَعَ ذِكْرِ سَبَبِهِ) .
أغفل هنا أفعل التفضيل .. ما جاء على زنة أفعل التفضيل، وقد عدها السيوطي أنها من أعلى مراتب التعديل. يعني: كقولهم: أوثق الناس، أو أثبت الناس، أو أصدقهم، إليه المنتهى، ونحو ذلك.
على كلٍ هذا ما قدمه المصنف، ولذلك لما لاحظ ذلك أن قوله: (وَأَعْلَاهُ عَدْلٌ رِضًَا) .
قال في الشرح: {أَيْ مِنْ أَعْلَى} أدخل مِنْ؛ ليبين أن هذا اللفظ المذكور ليس هو أعلى، وإنما خالف المتن. يعني في الشرح خالف متنه؛ لأنه في المتن جزم بأن ما ذكره عدلٌ رضا هو أعلى، وليس الأمر كذلك، بل هناك ما هو أعلى منه وهو أفعل التفضيل؛ لأن أفعل التفضيل قد يُذكر مع ذكر السبب، هو أوثق الناس لأنه كذا. وهذا لا إشكال فيه أنه أعلى درجة ومرتبة مما ذكره المصنف هنا.
على كلٍ: (وَأَعْلَاهُ عَدْلٌ رِضًَا، مَعَ ذِكْرِ سَبَبِهِ) عَدْلٌ رِضًا. هذا كرر اللفظين.
(مَعَ ذِكْرِ سَبَبِهِ) {أَيْ: سَبَبِ التَّعْدِيلِ} مع هذا القول.