وَقِيلَ: إنَّهَا تَعْدِيلٌ لَهُ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَالِ. والصواب هو ما ذكرناه.
قال: (وَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ مُبْهَمٍ كَـ) قول المحدث (حَدَّثَنِي ثِقَةٌ) . الأول يسميه لكنه مجهول الحال، يقول: عن زيدٍ ولم يروِ إلا عن ثقة. سماه، وهنا لا يسميه، وإنما يكون مبهمًا، حينئذٍ قال: حدثني الثقة أو حدثني من لا أتهم. هل يعتبر تعديلًا له أو لا؟
الصواب كسابقها، أنه لا يُعتبر تعديلًا. بل عده بعضهم أنه منقطع. والصواب: أنه ليس منقطعًا؛ لأنه وإن كان منقطعًا من حيث الحقيقة لأن هذا وجوده وعدمه سواء إلا أنه ليس بالمنقطع المصطلح عليه عند أرباب الحديث.
قال: (وَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ مُبْهَمٍ كَحَدَّثَنِي ثِقَةٌ) أَوْ حدثني (عَدْلٌ) أَوْ حدثني (مَنْ لاَ أَتَّهِمُهُ) . عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لاِحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَجْرُوحًا عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ مِنْ صُوَرِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْخِلافِ فِيهِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ كَالْمُرْسَلِ الصواب: ليس مرسلًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَكَذَا أَبُو الْمَعَالِي، وَاخْتَارَ قَبُولَهُ؛ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَشَارَ إلَيْهِ.
وَقَبِلَهُ الْمَجْدُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ وَالْمَجْهُولَ. فَقَالَ: إذَا قَالَ الْعَدْلُ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، أَوْ مَنْ لا أَتَّهِمُهُ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ .. وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ، وَإِنْ رَدَدْنَا الْمُرْسَلَ وَالْمَجْهُولَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ تَعْدِيلٌ صَرِيحٌ عِنْدَنَا.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وهذا من الحنابلة وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلاحِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُقْبَلُ.
وَقِيلَ -وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّلاحِ عَنْ اخْتِيَارِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ-: إنَّهُ إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ الْعَارِفِينَ بِمَا يَشْتَرِطُهُ هُوَ وَخُصُومُهُ فِي الْعَدْلِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ فَيُقْبَلُ؛ لأَنَّ مِثْلَ هَؤُلاءِ لا يُطْلَقُ فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ إلاَّ فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ ثِقَةٌ.
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى إذَا قَالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، فَتَارَةً يُرِيدُ بِهِ أَحْمَدَ، وَتَارَةً يُرِيدُ بِهِ يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ، وَتَارَةً يُرِيدُ بِهِ ابْنَ أَبِي فُدَيْكٍ، وَتَارَةً سَعِيدَ بْنَ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ، وَتَارَةً إسْمَاعِيلَ بْنَ إبْرَاهِيمَ وَاشْتُهِرَ عَنْهُ ذَلِكَ فِيهِ، وَتَارَةً يُرِيدُ مَالِكًا.
إذًا: الصواب أنه (لَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ مُبْهَمٍ كَحَدَّثَنِي) هو الصواب .. أنه لا يُقبل.
(وَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ مُبْهَمٍ) هذا هو الصحيح.