وَقَوْلُهُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَسَدٍ، وَيُرِيدُ بِهِ النَّقَّاشَ الْمُفَسِّرَ -نِسْبَةً إلَى جَدِّهِ- وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا، وَيُسَمَّى هَذَا تَدْلِيسَ الشُّيُوخِ.
وَأَمَّا تَدْلِيسُ الإِسْنَادِ: فَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ أَوْ عَاصَرَهُ حَدِيثًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ. وهذا من أدقها.
{أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ} التقى به وسمع منه، لكنه يروي عنه ما سمعه ولا إشكال فيه، ويروي عنه ما لم يسمعه منه. وهذا الوقوف عليه من أشد ما يكون.
{أَوْ عَاصَرَهُ حَدِيثًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ مُوهِمًا سَمَاعَهُ مِنْهُ، قَائِلًا: قَالَ: فُلانٌ} ."قال"هذه محتملة، تحتمل السماع وتحتمل عدم السماع.
ولذلك بعضهم لا يرى أنها تُحمل على السماع، ليست من الصيغ، ولذلك لو قالها المدلس لا يُقبل حتى يُصرّح بالسماع: سمعت كذا إلى آخره.
{قَالَ: فُلانٌ أَوْ عَنْ فُلانٍ} كذلك"عن"، ولذلك المعنعن فيه تفصيل، لا يُقبل مطلقًا.
{وَنَحْوَهُ. وَرُبَّمَا لَمْ يُسْقِطْ شَيْخَهُ وَأَسْقَطَ غَيْرَهُ} . التسوية.
قَالَهُ ابْنُ الصَّلاحِ.
وَمِثْلَهُ غَيْرُهُ: كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ انظر! ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ .. بينهما واسطة {عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرْفُوعًا: } على خلاف في صحة الحديث.
{ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لاَ يَصِحُّ؛ لأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ} أسقط اثنين وَأَنَّ هَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: هَذَا الْقِسْمُ مَكْرُوهٌ جِدًّا ذَمَّهُ الْعُلَمَاءُ. وَكَانَ شُعْبَةُ مِنْ أَشَدِّهِمْ ذَمًّا لَهُ، وَقَالَ مَرَّةً: التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ.
وقال: {لأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ. وَهَذَا مِنْهُ إفْرَاطٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ} .
لم يصل إلى هذا الحال، لكنه من باب التشديد في هذه المسألة.
{الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ بِاسْمِ شَيْخٍ آخَرَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ عَنْهُ، كَمَا يَقُولُهُ تَلامِذَةُ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ. تَشْبِيهًا بِقَوْلِ الْبَيْهَقِيّ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ} .
يعني: أخذوا كنية السابق ولقبه وجعلوها للذهبي، لكن لا يمكن أن يكون هو عينه .. لا يمكن أن يكون روى عنه، ذاك في زمن وهذا في زمن.
{وَهَذَا لا يَقْدَحُ لِظُهُورِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ} .
إذًا: {أَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ بِاسْمِ شَيْخٍ آخَرَ} لكن لا بد أن يكون الأصل له وجود كالكنية أو اللقب.